الحلقة الأولى: “مول الفوقية”

(سيرة ذاتية لأحد الأصدقاء المقربين؛ أرويها لكم بصيغة المتكلم نزولا عند رغبته الجامحة)

0 2٬657

“الريان المغربية” – لم يكن بمقدوره أداء فاتورة الماء ولا الكهرباء، وكان يقطن بمنزل صديقته التي كانت تكبره ببضع سنوات، كان دائم الشكوى ولا يجلس في المقهى إلا إذا علم بوجود من يدفع له ثمن الحليب بالشكولاتة الذي كان يحبه كثيرا ولا يطلب سواه.

كنت من بين “الكوانب[1]” الذين يحب مرافقتهم إلى المقهى لمعرفته المسبقة بأنني أنا من سيؤدي ثمن كل ما سيطلبه من مشروب وحلوى. في المقابل كان “مول[2] الفوقية[3]” يحكي لي مغامراته النضالية وكيف استطاع أن يصبح زعيم كلية الآداب ونجمها البراق في أقل من شهرين على التحاقه بها. كان الجميع يستمتع بحكاياته، رغم أن أغلبها كان من وحي خياله الواسع، وكان استمتاعنا يكبر أكثر عندما يبدأ صديقنا يتحمس ويرفع صوته لإسماع الجالسين قربنا ظانا أن الجميع يصدق ما تجود به قريحته على مسامعنا. فكنا نتغامز فيما بيننا ونبين له أننا جد مشدودين لحكايته ومنبهرين بصنائعه التي لا تضاهيها سوى مغامرات جون فيرن[4] بل تفوقها غرابة واستحالة في الكثير من الأحيان.

ومن بين المغامرات التي كان يرويها بافتخار كبير هي قصة تعرفه على إحدى الطالبات السوسيات[5] والتي كانت أحداثها أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. كان يقول على الفتاة بأنها كانت شديدة الجمال وفاحشة الثراء ولم يسبق لها أن فارقت بيت عائلتها. وكانت تجد صعوبة كبيرة في التأقلم مع ظروف عيشها الجديدة رغم سكنها بشقة فاخرة تتوفر فيها جميع متطلبات الرفاهية. لم يكن ينقصها سوى شخص يعرف من أين تؤكل الكتف أو بالأحرى كيف يأكل ويشرب على حسابها. هي التي كانت تسعد وتفرح كثيرا عندما تساعد الآخرين وتكون في قمة نشوتها كلما طلب منها أحدهم المساعدة.

يقول بأنه تعرف عليها في مطعم قريب من الحرم الجامعي حيث كانت تتناول وجبة الغداء وتعرضت للمضايقة من شابين كانا يجلسان وراءها فتدخل لحمايتها وأجبرهما على مغادرة المكان بعدما اعتذرا للشابة التي أجهشت بالبكاء. “رافقتها حتى باب العمارة التي كانت تقطن بها حيث وقفنا طويلا لأنها كانت لا تزال خائفة من ردة فعل الشابين رغم طمأنة لها. ولم تستطع الصعود إلى شقتها إلا عندما وعدتها بمرافقتها صبيحة اليوم التالي إلى الكلية”. ويضيف “منذ تلك اللحظة أصبحت ملاكها الحارس. كان الجميع يغار مني لأنها كانت أجمل واحدة بالكلية، بل بالمدينة الجامعية قاطبة”.

كان عندما يبدأ في وصف فاطمة الزهراء يخيل للسامع أنها واقفة أمامه بلباسها المحتشم وقوامها الرشيق وشعرها الذهبي الذي قال إنه هو من أجبرها على ارتداء وشاح لتغطيته حتى لا يستمتع به غيره.

وبقدومه إلى مدينة سيدي قاسم، بعدما أنهى دراسته الجامعية بحصوله على شهادة الإجازة، تعرف على مليكة وهي أرملة تكبره ببضع سنوات تشتغل في كل شيء: السمسرة، “الطراباندو”[6]، وكل ما يمكنه أن يذر عليها المال بغض النظر إن كان حلالا أو حراما. لم يكن مجازنا يهتم بتلك التفاصيل (الحلال والحرام) إذ يعتبرها ترهات لا قيمة لها أمام طموحاته الكبيرة والتي لم يكن ليدخر لها جهدا لتحقيقها.

وبالفعل، استطاع “مول الفوقية” أن يصبح أحد أبرز السياسيين بالمدينة رغم ماضيه المتعفن وأخلاقه الدنيئة…

(يتبع …)

ذ. رضوان باري:

___________________________________________       

[1] كلمة من اللهجة المغربية وتعني الشخص الساذج أو كثير الطيبة

[2] تعني صاحب الشيء والمالك له

[3] لباس مغربي تقليدي يلبس في الصيف فوق الملابس الداخلية للحفاظ على البرودة

[4] بطل رواية “رحلة حول العالم في ثمانين يوم”

[5] نسبة لجهة سوس التي تقع وسط المغرب

[6] بيع وشاء ما يستقدم من مدينتي سبتة ومليلية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات