الحلقة الثانية: مول الفوقية والممرضة
(سيرة ذاتية لأحد الأصدقاء المقربين؛ أرويها لكم بصيغة المتكلم نزولا عند رغبته الجامحة)
“الريان المغربية” – استطاع “مول الفوقية” أن يصبح أحد أبرز السياسيين بالمدينة، ليس كزعيم أو مثال يقتدى به، بل كشخص حربائي يستطيع تغيير لونه وانتمائه كل ما وضع رجله في مكان أحس فيه بإمكانية استفادته منه ماديا أو معنويا، ولو كانت نسبة نجاحه ضئيلة جدا؛ لأن ما يهمه هو ما سيضعه في جيبه أو في بطنه. كان طماعا جشعا لا يهمه ما سيقال عنه أو ما سيفقده مقابل ذلك من كرامة وشرف.
وبتجربتها الكبيرة، التي جعلت منها خبيرة في معرفة جميع أصناف الرجال، كانت مليكة تعرف جيدا أن زوجها (حسب ما كانت تقول لجيرانها بأنهما تزوجا على سنة الله ورسوله) سيتخلص منها كما تخلص من “فوقيته” بمجرد ما توفر له ثمن ملابس جديدة. فكانت تسعى إلى أن تنجب منه طفلا يجعله يرتبط بها وجدانيا وعاطفيا وليس منفعيا فقط. وكان هذا الأمر يوتر العلاقة بينهما خصوصا عندما كانت تطلب منه مرافقتها إلى فقيه أو “شوافة”[1] لاستعجال الحمل والانجاب.
كان يرفض مصاحبتها بدعوى أنه لا يؤمن بالشعوذة ولا يمكنها أبدا أن تجعله يحبها بمثل هاته الترهات والتفاهات. بينما كانت هي ترد عليه بأنه ليس “رجلا”[2] وأنه يخفي عجزه وعقمه وراء اتهامه لها بالشيخوخة وبلوغها سن اليأس.
كان الجميع يعلم بأنه لا يحبها وهو نفسه كان دائم القول بأنه لا يحبها ولن يحبها رغم محاولاتها العديدة بالسحر والشعوذة كما كان يروي لنا حيث حكى لنا أكثر من مرة أنه كان يجلس إلى جانبها وهي تعد له أعمالا سحرية ليحبها وكان في بعض الأحيان يساعدها في ذلك استهزاء منه بما كانت تفعله.
كان صادقا في هذا القول، بشهادة جيرانهم الذين تعودوا على رؤيته وهو يضربها ويرمي لها أغراضها في الشارع وهو يحمل في يده تميمة أو حرزا ويصرخ بصوت عال قائلا بأنه لا يؤمن بمثل هذه الخزعبلات وبأنه لن يعيش معها بعد ذلك لأنه لا يحبها. لكنه، وبمجرد ما يستفيق من سكره ويستعيد وعيه يعود إليها ويقبل رأسها قائلا: “إنه الشراب[3] ليس إلا”. كانت تصدقه محاولة إقناع نفسها أنه يحبها رغم معرفتها بأن العكس هو الصحيح.
ورغم مشاكله العائلية الكثيرة وفضائحه الكبيرة فقد استطاع أن يضمن لنفسه مكانة مهمة في حزب أتى به أحد محترفي الانتخابات بالمدينة وأصبح أحد منظريه، بل أهمهم جميعا لدرجة أن كل من أراد أن يقبل طلب ترشحه للاستحقاقات التشريعية تحت لواء هذا الحزب كان يجب عليه أن يتقرب منه ويحابيه بالهدايا والأموال.
بدأت أثار النعمة تظهر على صاحبنا؛ فقد اشترى سيارة واكترى منزلا في حي راقي بعدما ترك بيت مليكة التي افترق عنها وطلب يد أمينة بنت أخت “امي مليكة”[4]. فتاة جميلة كانت تشتغل كممرضة بإحدى المصحات بمدينة الرباط. كانت يتيمة الأب ووحيدة أمها وهي صفات شجعته كثيرا ليتقدم لها. فكان يظهر للجميع أنه يحبها ويقدرها ولا ينوي استغلالها كما فعل مع زوجته السابقة.
لم يكن يعرف معنى الرومانسية ولا معنى المسؤولية الأبوية اتجاه أبنائه الأربعة (ثلاثة ذكور وبنت) وأكثر ما كان يربطه بزوجته الجميلة هو مالها الكثير الذي ورثته عن أمها. كما كانت قدرتها على الإنجاب المتسلسل والسريع (خمس ولادات في أقل من سبع سنوات) سببا في تباهيه بزواجه الذي كان فرصة لإثبات فحولته لرفاقه وأصدقائه وخصوصا لزوجته السابقة التي كانت تُعَيّرُه[5] بانعدام الرجولة.
كانت أمينة ممرضة ناجحة وزوجة صالحة يحترمها الجميع ويحبها كل الناس. فكانت تساعد الفقراء وتخصص لهم يوما في الشهر تزورهم فيه لتقدم لهم مساعدات على شكل قفف مملوءة بالبضائع وبأدوية لبعض المرضى. فكان هذا الأمر يغيض زوجها ويحزنه كثيرا، إلا أنه لم يكن يستطيع أن يكشف لها عن شعوره هذا لمعرفته المسبقة أنها ستقمعه كما فعلت أول مرة حاول مناقشتها في الموضوع وإقناعها بالعدول عن هذه العادة التي كانت تعني له ضياع مال هو أولى به.
يتبع …

ذ. رضوان باري
___________________________________________________________
[1] امرأة تدعي معرفة الغيب وعلاج الأمراض المستعصية على الأطباء
[2] بمعنى أنه ليس فحلا ولا يستطيع الإنجاب
[3] الخمر
[4] لا علاقة لها بمليكة زوجته
[5] تسبه