تطوير كرة القدم وفق استراتيجية محكمة وحكيمة
بقلم: ذ. رضوان باري (باحث مهتم بتطوير القطاعين التربوي والرياضي)
تُعد إعادة هيكلة القطاع الرياضي وفق رؤية 2030 أهم التحديات التي تواجه المملكة المغربية خصوصا بعد النتائج الإيجابية والمتميزة التي حققتها بعض المنتخبات والفرق المغربية (كرة القدم نموذجا)، ولتعزيز العمل الاحترافي، ورفع نسبة ممارسة الرياضة في المغرب لبناء مجتمع رياضي حيوي، ومشاركة جميع الفئات العمرية في الأنشطة الرياضية بأنواعها.
ولتحقيق ذلك وجب تحويل الرياضة المغربية إلى صناعة واستثمار، ورفع تنافسيتها. إضافة إلى تفعيل دورها في المجتمع، واستثمارها في القوة الناعمة، لتسويق المملكة ومشروعاتها الكبرى، ووجهاتها السياحية والتراثية للعالم أجمع.

مشروع تطوير الرياضة يجب أن يكون هو مشروع دولة يبنى على أسس ومرتكزات ومستهدفات واضحة، مؤطرة بإستراتيجية وطنية حكيمة ومحكمة، وبرامج تنفيذية واضحة، وميزانيات ملائمة للنهوض بالقطاع وتعزيز مساهمته في الاقتصاد، وانعكاساته الإيجابية على المجتمع، وتحقيق تنافسيته العالمية. قطاع كرة القدم أحد أهم القطاعات الرياضية، وأكثرها شعبية، وقدرة على تحقيق أهداف الرؤية الإستراتيجية. فأهمية القطاع لا تقتصر على منظومة كرة القدم فحسب، بل تتعداها لتحقيق أهداف إستراتيجية وطنية، أعم وأشمل.
ولا يمكن تطوير الرياضة بمعزل عن باقي القطاعات الأخرى بسبب تقاطعها معها: فبرنامج تطوير منظومة كرة القدم مثلا، يتقاطع مع برامج القطاعات الاقتصادية الأخرى، ومنها السياحة والترفيه، حيث تعتبر منافساتها من أهم أدوات الجذب السياحي وصناعة الترفيه. ومشروع الشركات الرياضية الذي جاء بها قانون 09-30 والذي يُعتبر آلية جديدة وفعالة لتدبير وتسيير الشأن الرياضي بمملكتنا الشريفة، يمكن أن يكون بداية لتطوير قطاع كرة القدم وحَوْكَمَتَه وفق رؤية إستراتيجية تسهم في تحويله إلى صناعة جاذبة للاستثمار، مما يستوجب تعزيز ثقافة التحول والتنمية الرياضية في المجتمع، ونشر أهدافها، وتعزيز ثقافة البناء بعيداً عن التعصب، والميولات الرياضية، من خلال الجهود الإعلامية المكثفة، لإيصال الرسالة الواضحة عن الأهداف التنموية والمشروع الوطني الضخم، لجميع فئات المجتمع، وبما يسهم في خلق رأي عام داعم للبرامج الحكومية وعمليات التطوير.

ولا يخفى على أحد أن الإعلام شريك رئيسي ومهم في جميع مشروعات التنمية، ومنها القطاع الرياضي. والشفافية المطلقة من متطلبات الدعم الجماهيري للمشروع، فالصمت يسمح بنشر الشائعات، وتهييج الجماهير، واستخدامها لضرب المشروع الوطني والتشكيك بأهدافه الوطنية. وبالتالي فإن تطوير الإعلام الرياضي يجب أن يواكب مرحلة التحول ليساهم في تعزيز ثقافة أفراد المجتمع، ورفع مخزونهم المعرفي بعيداً عن التعصب، وحملات التشكيك بالقرارات الرسمية والمؤسسات الرياضية، والحد من الجدل ونشر الكراهية، فيكون بذلك من أدوات المعالجة المهمة.
لكن يجب أن أُذَكِّر هنا أنه لا يمكن لقطاع كرة القدم أن يحقق أهدافه بمعزل عن البيئة التشريعية المرتبطة بالتشريعات الدولية الصادرة عن “الفيفا”. وتفرعات التشريعات المحلية، ومراكز التقاضي الرياضي المحلية (اللجنة القانونية، لجنة الأخلاقيات …) يحب أن تختفي لترتبط مباشرة بأجهزة الفيفا وتشريعاتها القانونية وبما يزيل عن كاهل المؤسسة الرياضية تبعات الأحكام الصادرة من لجانها الفرعية، أو المراجعة الدولية لقراراتها، بعد أن أصبحت حاضنة لأهم اللاعبين الدوليين. حوكمة قطاع كرة القدم تشريعياً، مالياً، وإدارياً، واستنساخ منظومة عمل الدوريات الأوربية المتقدمة محلياً، من أساسيات البناء والتحول المحقق لجودة مخرجاته، وعدالة قراراته، واستدامة نجاحاته وبما يتوافق مع متطلبات رؤية 2030 .

هذه الرؤية التي جعلت من تطوير الملاعب ركنا أساسيا في برامجها يجب أن تستبدل نظامها الحالي بنظام استثماري ينبني على تبادل المنفعة مع المستثمرين في القطاع، وتحفيز الرعاة (المستشهرين) على بناء ملاعب خاصة بالأندية لتكون أحد الحلول المتاحة لتطوير البيئة الرياضية.
لكن يبقى كل هذا دون جدوى إنْ لم يشرك النقل التلفزيوني، الذي يعتبر هو الركن الرئيس في نشر جمال كرة القدم، في هذا التطوير، لأنه هو المحرك الرئيسي للإعلانات التلفزيونية، إضافة إلى كونه من أهم مصادر دخل الأندية، مما يستوجب إعادة هيكلته للوصول به إلى الاحترافية العالمية. وهذا لن يحدث إلا من خلال استقطاب شركات عالمية متخصصة في النقل والإخراج الرياضي، والتي تمتلك الخبرات الواسعة، والقدرة على نقل تفاصيل المباريات باحترافية عالية كما يحدث في الدوريات الأوروبية على سبيل المثال لا الحصر. بالإضافة إلى التكوينات المختصة والتكوينات المستمرة. ونجاح البطولة المغربية في استقطاب بعض المحطات الرياضية العالمية يستوجب التدخل السريع لتحسين جودة النقل وليعكس حجم التطور الذي تشهده الرياضة المغربية. إضافة إلى ذلك فمن المهم مراجعة البرامج الرياضية وإعادة هيكلتها، وتطويرها لتعزيز الثقافة الرياضية ونشر المعرفة والارتقاء بصناعة كرة القدم بعيداً عن التشجيع والتعصب الذي يمارسه بعض المشاركين فيها. هناك فارق كبير بين النقد الرياضي المتخصص، والنقد المبني على التعصب، الكراهية، والتدليس.

مشروع تطوير الرياضة المغربية، وقطاع كرة القدم على وجه الخصوص، وتحويلها إلى صناعة داعمة للاقتصاد وقطاعاته المختلفة، هو مشروع دولة يفترض أن تسخّر له جميع متطلبات النجاح، وأن يُحصَّن بحماية رسمية توفر له البيئة المعزّزة للنجاح، والضامنة لتحقيق أهدافه الوطنية.