“الريان المغربية” – لكل غاية مفيدة ننشر ملخص النموذج التنموي.
| من أجل ميثاق وطني جديد
يسـتمد نمـاء الأمـة جـذوره انطلاقـا مـن أرضيـة خصبـة، تتشـكل مـن مقومـات رمزيـة تنـدرج فـي إطـار الزمـن الطويـل. وبكونـه بلـدا ذا عمـق تاريخـي، شـكل مـدارا للحضـارات علـى مـر العصـور، فـإن المغـرب كـرس دائمـا اختيـار التعدديـة والإدمـاج واشـاعة القيـم كأسـاس لتطـوره. وتشـبثا بهـذا الإرث العريـق، فـإن الأمـة المغربيـة تراهـن علـى تحقيـق إقـلاع حضـاري ينبنـي علـى اسـتثمار كافـة مقومـات التنميـة فـي أبعادهـا الاجتماعيـة والاقتصاديـة والسياسـية والثقافيـة، وذلـك ضمـن رؤيـة مسـتقبلية طموحـة، ترتكـز علـى الشـعور بالانتمـاء إلـى نفـس الوطـن. خـلال العقديـن الأخيريـن، عرفـت المملكـة تقدمـا ملحوظـا، سـاهم فـي الرفـع من سـقف المطالـب وأضفى شـرعية علـى التطلعـات الجديـدة. وانسـجاما مـع روح الدسـتور واسـتنادا علـى الإرث التاريخـي الغنـي، فإنـه يصبـو إلـى نفـس جديـد، مـن خـلال تعبئـة كافـة مكوناتـه وبـروح المواطنـة وحـس التضامـن، بغيـة بنـاء مسـتقبل مزدهـر يؤمـن رفـاه المواطنيـن. وتلتقـي مكونـات المجتمـع المغربـي اليـوم حـول نفـس الرغبـة الملحـة والمتمثلـة فـي تحريـر الطاقـات مـن خـلال تعزيـز قـدرات المواطنـات والمواطنيـن؛ اسـتباق التحـولات التـي يشـهدها العالـم مـن أجـل تعبئـة الفـرص التـي تتيحهـا والتخفيـف مـن حـدة المخاطـر الناجمـة عنهـا؛ التعريـف بالمبـادرات المحليـة المبتكـرة فـي بلـد يشـكل فيـه الشـباب الشـريحة الديمغرافيـة الأوسـع؛ وتحصيـن الحريـات ضمـن إطـار يكـرس الثقـة والمسـؤولية . لقـد قامـت بلادنـا بتشـخيص شـمولي لوضعيتهـا التنمويـة ورصـد مؤهلاتهـا والتحديـات التـي تواجههـا وكـذا الوعـود التـي بالإمـكان تقديمهـا، وذلـك قبـل حـدوث الأزمـة الصحيـة العالميـة والتـي ألقـت بظلالهـا علـى الـدول المتقدمـة والناميـة علـى حـد سـواء. لقـد أبـان المغـرب عـن فهـم عميـق للأزمـة الحاليـة ،باعتبارهــا ليســت مجــرد أزمــة عابــرة، بــل لكونهــا تؤشــر علــى تحــولات هيكليــة عميقــة لهــا انعكاســات علـى كافـة المسـتويات الترابيـة ومجـالات السـيادة الوطنيـة علـى المسـتوى الاقتصـادي، الغذائـي، الطاقـي أو الرقمـي. لقـد حـان الوقـت، كمـا جـرت العـادة فـي تاريـخ المملكـة العريـق والمتواصـل، لتجديـد الميثـاق الوطنـي. ميثـاق يضمـن فـي نفـس الآن الانصـاف والحريـة، الحمايـة والتمكيـن، الابتـكار والتجـذر، التعددية والوحـدة، وذلـك خدمـة لطمـوح تنمـوي جديـد. هـذا الميثـاق، الـذي يشـكل التزامـا معنويـا وسياسـيا ورمزيـا قويـا أمـام جلالـة الملـك وأمـام الأمـة برمتهـا، بإمكانـه أن يشـكل محطـة تاريخيـة جديـدة لبلادنـا. لا يمكـن الارتقـاء نحـو مسـتقبل مشـترك دون جـذور مشـتركة يمكـن الارتـكاز عليهـا. كمـا أنـه لا يمكـن تحقيــق إقــلاع دون أرضيــة صلبــة تكــرس روح الانتمــاء الجماعــي الــذي يضمــن التــزام وانخــراط كافــة الأجيـال ويعبـئ الطاقـات بـكل تنوعهـا. إن الأمـة المغربيـة التـي تكرس قيم الإسـلام المبنية على التسـامح والانفتـاح، تسـعى إلـى جعـل هـذه القيـم قـوة دفـع لمشـروعها الجماعـي القائـم علـى الاعتـزاز بالنفـس واحتـرام الآخـر. وفـي الوقـت الـذي يجتـاز فيـه العالـم مرحلـة شـك علـى المسـتوى المؤسسـاتي، وتطـرح تسـاؤلات حـول قضايـا الهويـة وتـزداد حـدة التوتـرات الجيوسياسـية فـي سـياق صعـود قـوى جديـدة، فـإن المملكـة تسـعى إلـى رسـم مسـارها التنمـوي بالاسـتناد علـى تطلعـات وانتظـارات مواطنيهـا وسـعيا منهـا فـي المسـاهمة فـي بنـاء عالـم أفضـل. |
| يسـتمد هـذا الطمـوح المسـتقبلي، إذن، جـذوره مـن الإرث التاريخـي وإرادة الحاضـر. فهـو يأخـذ بعيـن الاعتبـار التاريـخ الحديـث خـلال العقديـن الأخيريـن، اللذيـن شـهدا زخمـا إصلاحيـا خـلال عشـرية 2000 وعرفـا عـدة تطـورات ذات الصلـة بالوعـود الدسـتورية لسـنة 2011؛ وقبـل ذلـك فـي القـرن الماضـي، بمـا يشـكله مـن لحظـات اختبـار واجهـت الأمـة، والتـي تـم تجاوزهـا بفضـل الحمـاس الـذي واكـب الاسـتقلال وتوحيـد البـلاد ،الـذي يسـتمد حيويتـه مـن ثـورة الملـك والشـعب ومـن التاريـخ العريـق للأمـة المغربيـة. وباعتبـار المغـرب مزيـج فريـد مـن نوعـه لعـدة روافـد ثقافيـة؛ العربية الإسـلامية والأمازيغيـة والافريقيـة والصحراوية الحسـانية والعبريـة والأندلسـية، فـإن الشـخصية التاريخيـة المغربيـة تمـزج بيـن الزمـن الطويـل والتعدديـة. وتتعـزز هذه الشـخصية التاريخيـة بالتشـبث بقيـم الاسـلام المسـتنيرة والمتجـذرة، فـي انسـجام مـع القيـم الإنسـانية. وهو مـا يكـرس اعتـزاز المغـرب بخصوصيتـه وتفـرده. إن الشـعور بالانتمـاء إلـى أمـة تعـد مـن بيـن أعـرق الأمـم فـي العالـم يشـكل أحـد الدعامـات لبنـاء مسـتقبلنا المشـترك.
إن المؤسسـة الملكيـة، بكونهـا رمـزا للاسـتمرارية التاريخيـة والاسـتقرار تشـكل الدعامـة الأساسـية لهـذا البنـاء وتعطـي للأمـة القـدرة والجـرأة الضرورييـن لتطورهـا وازدهارهـا. إن جلالـة الملـك، الـذي يجسـد هـذا التفـرد ،هـو الضامـن للتـوازن بيـن دولـة قويـة وعادلـة ومجتمـع قـوي ودينامـي. وهـو يكـرس القيـادة الضروريـة لتحقيـق الطموحـات التاريخيـة الكبـرى ولتتبعهـا وضمـان اسـتمراريتها. إن المغاربــة، نســاء ورجــالا، أينمــا تواجــدوا عبــر العالــم، يحملــون معهــم إرثــا حيــا وذاكــرة منفتحــة علــى المسـتقبل. ومـن خـلال ضـرب موعـد مـع أنفسـهم ومـع التاريـخ بغيـة زرع أحلامهـم وتنميتهـا والحـرص علـى تحقيقهـا، فإنهـم يلتزمـون بجعـل قيمهـم وتعدديتهـم وتراثهـم جـذورا مغذيـة للمسـتقبل، وبجعـل تطلعاتهم تواكـب تطـورات العالـم وتسـاهم فـي بنـاء مسـتقبله. وأيضـا علـى جعـل وطنهـم قـادرا علـى الاسـتمرار فـي التشـبث بقيـم السـلم والازدهـار المشـترك. |
لمحة عن المهام الموكولة إلى اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي والمقاربة المعتمدة
ينـدرج هـذا التقريـر فـي إطـار المهـام التـي أوكلهـا جلالـة الملـك، نصـره الله، إلـى اللجنـة الخاصـة بالنمـوذج التنمـوي. ويرسـم هـذا التقريـر ملامـح النمـوذج الجديـد الـذي يتضمـن طموحـا وطنيـا ويقتـرح مسـارا للتغييـر ذا مصداقيـة وقابـلا للتنفيـذ علـى أرض الواقـع. ويرتكـز هـذا النمـوذج علـى مؤهـلات المملكـة وعلـى منهجيـة جديـدة عبـر الإنصـات والتشـاور مـع مختلـف القـوى الحيـة ببلادنـا.
ولا يشـكل هـذا التقريـر حـا سـحريا لاختـالات التـي تـم الوقـوف عليهـا، ولا تجميعـا لسياسـات قطاعيـة ولا حتــى دليــلا مرجعيــا لبرنامــج حكومــي أو حزبــي. ينــدرج النمــوذج المقتــرح ضمــن الإطــار الدســتوري ووفقـا لتنظيـم السـلط الـذي يحـدده ويدعمـه برؤيـة تنمويـة مـن شـأنها أن تُفعـل الوعـود الدسـتورية علـى أرض الواقـع. يرتكـز النمـوذج الجديـد أيضـا علـى التاريـخ العريـق للمملكـة، الـذي سـاهم فـي تشـكيل الهويـة الوطنيـة وإغنائهـا بفضـل الروافـد الثقافيـة المتعـددة، وفـي الارتقـاء بالمواطـن المغربـي كفاعـل مسـتقل قادر علـى الاخـذ بزمـام أمـوره. هـذا العمـق التاريخـي الـذي يجسـد خصوصيـة المغـرب كمـدار للحضـارات وأرض السـلام والحـوار والتعايـش، تؤهـل بلادنـا لتسـاهم فـي بنـاء عالـم جديـد تـكاد ملامحـه الأولـى تـرى النـور فـي سـياق تبعـات جائحـة كوفيـد19-.
إن النمـوذج التنمـوي الجديـد، كدعامـة لمغـرب الغـد، تـم تصميمـه مـن طـرف المغاربة، مـع المغاربة ومن أجـل المغاربـة. فهـو نتـاج تفاعـل واسـع مـع عـدة شـرائح مـن السـاكنة فـي أماكـن عيشـهم ولا سـيما فـي المناطـق المعزولـة. ويشـكل النمـوذج الجديـد منهجيـة أخـرى لتصـور التنميـة بكونهـا أكثـر تشـاركية. وتوضـح هـذه المنهجيـة بـأن النقــاش الصريــح والمســؤول حــول مســتقبل البــاد أمــر ممكــن مـع المواطنيـن والفاعليـن فـي مجـال التنميـة. وأنـه بإمـكان هـذا النقـاش أن يفضـي إلـى اقتراحـات بنـاءة وملائمـة للواقـع .وقـد مكنـت هـذه المقاربـة أيضـا مـن الوقـوف علـى الرغبـة الملحـة للمشـاركة والاندمـاج والاسـتقلالية خاصـة مـن طـرف الشـباب الذيـن يتوقـون للتمكيـن مـن أجـل تقريـر مسـار حياتهـم بأنفسـهم.
اعتبـارا لـكل مـا سـبق، فـإن النمـوذج التنمـوي يشـكل مقترحـا لمسـار تنمـوي جديـد ودعـوة عامـة للتعبئـة الشـاملة والعمـل والتفانـي قصـد بنـاء المغـرب الـذي نطمـح إليـه جميعـا ،تحـت القيـادة الرشـيدة لصاحـب الجالـة نصـره الله. إن نجـاح هـذا الـورش الكبيـر يسـتدعي نمطـا جديـدا للتنظيـم الجماعـي يمكـن كافـة المغاربـة، بغنـى تعدديتهـم، مـن العمـل سـويا وفـق أهـداف مشـتركة بغيـة ضمـان العيـش الكريـم للجميـع.
ملخص تنفيذي طموح في أفق 2035
تزخـر المملكـة بإمكانـات تنمويـة مهمـة. فالمغـرب القـوي بوحدتـه واصطفافـه وراء صاحـب الجلالـة، الضامـن للمصالـح العليـا للبـلاد ولاسـتقرارها واختياراتهـا الديمقراطيـة، بمقـدوره تعبئة سـاكنته وقواه الحيـة بتعدديتها ،وذلـك مـن أجـل التطلـع الجماعـي نحـو طمـوح وطنـي جديـد.
إن مؤهــلات المغــرب التــي يخولهــا لــه موقعــه الجيوســتراتيجي، تاريخــه العريــق ورأســماله اللامــادي الفريــد مـن نوعـه وكـذا طاقـات نسـائه ورجالـه، تؤهلـه للارتقـاء إلـى مصـاف الـدول الرائـدة، خدمـة لرفـاه مواطنيـه وإســهاما منــه فــي بنــاء عالــم أفضــل. عالــمٍ يســوده الســلم، منفتــح علــى الحــوار والتعــاون، عالــمٍ يحتــرم كرامـة الإنسـان، عالـمٍ حريـص علـى حمايـة تنـوع الأنظمـة الإيكولوجيـة والتوازنـات البيئيـة.
وانطلاقــا مــن هاتــه المؤهــلات، يتبنــى النمــوذج التنمــوي الجديــد كطمــوح مشــترك الانتقــال إلــى مغــرب مزدهــر، مغــربِ الكفــاءات، مغــربِ الإدمــاج والتضامــن، مغــربِ الاســتدامة والجــرأة. ويسـتوجب هـذا الطمـوح فـي جوهـره تعبئـة كل إمكانـات البـلاد عبـر وضـع العنصـر البشـري فـي صلـب أولويـات السياسـات العموميــة، ســواء باعتبــاره فاعــلا أو مســتفيدا مــن مســيرة التنميــة. ويتوافــق هــذا الطمــوح مــع الانتظــارات المســتعجلة المعبــر عنهــا مــن طــرف مواطنيــن تواقيــن إلــى المشــاركة والتمكيــن والاعتــراف .
تقتــرح اللجنــة أن تتــم ترجمــة هــذا الطمــوح إلــى أهــداف تنمويــة محــددة وفــي المتنــاول قصــد الارتقــاء بالمملكـة لتتبـوأ مكانتهـا ضمـن الثلـث الأول مـن ترتيـب الـدول فـي عـدة مجـالات فـي أفـق 2035. وهـو مـا مـن شـأنه أن يكـرس خاصيـة المغـرب كنمـوذج يحتـذى بـه داخـل محيطـه الإقليمـي وحتـى الدولـي. ومـن بيـن هـذه الاهـداف، مضاعفـة الناتـج الداخلـي الخـام حسـب الفـرد فـي افـق 2035 وضمـان امتـلاك 09% مـن التلاميـذ للتعلمـات الأساسـية، بالإضافـة الـى الرفـع مـن معـدل التأطيـر الطبـي للملاءمـة مـع معاييـر منظمـة الصحـة العالميـة وتقليـص نسـبة الشـغل فـي القطـاع غيـر المهيـكل إلـى 02% ورفـع نسـبة مشـاركة المـرأة فـي سـوق العمـل إلـى 54% مقابـل 22% حاليـا والوصـول الـى نسـبة رضـا المواطنيـن عـن الإدارة والخدمـات العموميـة تزيـد عـن 08%.
ويســتدعي هــذا الطمــوح أكثــر مــن أي وقــت مضــى التعبئــة الشــاملة للكفــاءات علــى المســتوى الوطنــي والمحلـي والمهيئـة بمـا يكفـي لرفـع تحديـات التنميـة فـي سـياق وطنـي ودولـي متحـول يتسـم بعـدم اليقيـن وبتزايـد حـدة التعقيـدات.
تشخيص صريح وشفاف
ومـن أجـل الوصـول إلـى الهـدف المنشـود، قامـت اللجنـة بتحليـل شـفاف ودقيـق للنمـوذج التنمـوي الحالـي قصـد الوقـوف علـى مكتسـباته ومكامـن ضعفـه والهوامـش المتاحـة لتحسـينه.
عـرف المغـرب منـذ أواسـط التسـعينات زخمـا إصلاحيـا تسـارعت وتيرتـه فـي عقد 2000 مما سـاهم فـي إطلاق ديناميـة تنمويـة حميــدة وتعبويـة. ولقــد مكــن تحديــث البنيــة التحتيـة وإطــلاق العديــد مــن الاســتراتيجيات القطاعيــة وانخــراط المغــرب فــي برنامــج طمــوح ورائــد فــي مجــال الطاقــات المتجــددة مــن إيجــاد حلــول اقتصاديـة وجيهـة واساسـية لبنـاء المسـتقبل. ومكنــت برامـج كالمبـادرة الوطنيـة للتنميـة البشــرية ونظـام المسـاعدة الطبيـة، فضـلا عـن تعميـم التعليـم وفـك العزلـة عـن العالـم القـروي وربطـه بشـبكة الكهربـاء وكـذا محاربـة السـكن غيـر اللائـق مـن تقليـص العجـز فـي المجـال الاجتماعـي وتسـجيل انخفـاض ملمـوس فـي معـدل الفقـر. وفـي نفـس السـياق، تـم إحـراز تقـدم مهـم بفضـل تنفيـذ مجموعـة مـن الاصلاحـات الجريئـة همـت علـى سـبيل المثـال مدونـة الأسـرة وإعـادة هيكلـة الحقـل الدينـي والإقـرار بالتعدديـة الثقافيـة وإضفـاء الطابـع المؤسسـاتي عليهـا.
وفـي مواجهـة الاضطرابـات التـي هـزت الجـوار الإقليمـي فـي عـام 2011 تمكنـت المملكـة فـي المقابـل مـن إيجـاد حلـول تبعـث علـى الأمـل وتسـتجيب لانتظـارات المواطنيـن والطبقـة السياسـية. وعلـى الرغـم مـن كل ذلـك، ونتيجـة لتباطـؤ وتيـرة النمـو الاقتصـادي وتفاقـم الفـوارق، خيـم علـى البـلاد منـاخ اتسـم بأزمـة ثقـة ألقـت بظلالهـا علـى الواقـع السياسـي والاقتصـادي والاجتماعـي.
إن العديـد مـن الإصلاحـات المعلـن عنهـا مـن أعلى مسـتوى في الدولـة )التحول الاقتصـادي، التربيـة والتكوين ،الصحـة والحمايـة الاجتماعيـة، الحفـاظ علـى الثـروات الطبيعيـة، الجهويـة …( تعانـي مـن بـطء فـي التنزيـل وتعترضهـا عـدة مقاومـات للتغييـر، ممـا يفضـي إلـى نتائـج ليسـت فـي مسـتوى التطلعـات والآمـال المعقـودة عنـد إطـلاق هـذه الاصلاحـات، وهـو مـا يثيـر تسـاؤلات المواطنيـن ويسـاهم فـي إضعـاف منسـوب الثقـة .
وقـد رصـدت اللجنـة أربـع معيقـات تحـد مـن مردوديـة النمـوذج التنمـوي الحالـي: 1( غيـاب الانسـجام بيـن الرؤيـة التنمويـة والسياسـيات العموميـة المعلـن عنهـا وكـذا ضعـف الالتقائيـة بيـن هـذه السياسـات. ويتجسـد هـذا الإشـكال فـي غيـاب رؤيـة اسـتراتيجية شـاملة تنـدرج فـي الأفـق الزمنـي البعيـد، بالإضافـة إلـى إصلاحـات يتـم وضعهـا بطريقـة منعزلـة وبـدون مرجعيـة واضحـة ممـا لا يسـاعد علـى ترتيـب الأولويـات والأخـذ بعيـن الاعتبـار المـوارد المتوفـرة والقـدرات الحقيقيـة للفاعليـن؛ 2( بـطء التحـول الهيكلـي للاقتصـاد جـراء التكلفـة المرتفعـة لعوامـل الإنتـاج التـي تعيـق تنافسـية المقـاولات وضعـف الانفتـاح علـى فاعليـن جـدد أكثـر إبداعـا وتنافسـية. ويرتبـط هـذا العائـق بقلـة نجاعـة منظومـة الضبـط وعـدم الاسـتفادة بشـكل أمثـل مـن آليـات التحفيـز الاقتصـادي التـي تضعـف روح المجازفـة وتغـذي منطـق الريـع داخـل القطاعـات التقليديـة وتحمـي المصالـح الضيقـة بـدل المصلحـة العامـة؛ 3( محدوديـة قـدرات القطـاع العـام فـي صياغـة وبلـورة خدمـات عموميـة سـهلة الولـوج وذات جـودة تهُـم المجـالات الأساسـية للحيـاة اليومية للمواطنيـن ورفاهيتهـم. فالقطاع العـام يشـتغل بصفـة علويـة وممركـزة وبمنطـق لا يعتمـد بشـكل كاف علـى المردوديـة والنتائـج ولا يسـمح بتطويـر رؤيـة اسـتراتيجية للاضطـلاع بـدوره فـي إطـلاق ومواكبـة العديـد مـن أوراش التحـول؛ 4( الشـعور بضعـف الحمايـة القضائيـة وعـدم القـدرة علـى التوقـع الـذي يحـد مـن المبـادرات بسـبب الهـوة مـا بيـن بعـض القوانيـن والواقـع الاجتماعـي وقضـاء يعانـي مـن ضعـف الثقـة إضافـة إلـى ثقـل البيروقراطيـة وتعثـر سـبل الانتصـاف. وتعتبـر هـذه المعيقـات أيضـا، نتاجـا لتمثـلات تعتبـر الرقابـة الممنهجـة والمركزيـة بمثابـة أنمـاط مثلـى لتدبيـر التنميـة وتـرى أن بعـض الفئـات )المواطنـون، الشـباب، القطـاع الخـاص، المجتمـع المدني( لا ترقـى إلـى مسـتوى شـريك موثـوق بـه كمـا تـرى أن التقاليـد لا تتـلاءم مـع التقـدم والحداثـة.
لقـد أكـدت اللقـاءات التشـاورية مـع المواطنيـن والقـوى الحيـة للبـلاد ضـرورة تسـريع الانتقـال نحـو نمـوذجتنمـوي جديـد والـذي تـزداد اسـتعجاليته بالنظـر للتحـولات الجاريـة علـى المسـتويين الوطنـي والدولـي، وكـذابالنظـر إلـى السياسـات الاسـتباقية التـي تفرضهـا هـذه التحـولات. وقـد سـاهمت جائحـة كوفيـد19- فـي تنامـيالوعـي الجماعـي بضـرورة التحـرك السـريع لمواجهـة تبعاتهـا، خصوصـا وأنهـا أثـرت علـى الأسـس التـي تنبنـي عليهـا العولمـة. إن السـياق الدولـي الجديـد الـذي يلـوح فـي الأفـق يؤشـر علـى فرضيـة توالـي الازمـات الصحيـة وتسـارع وتيرتهـا وحـدة تعقيدهـا. وهـو مـا يسـتدعي قـدرات اسـتباقية وإمكانيـات للتدخـل تتسـم بفعاليتهـا ونجاعتهـا مـن أجـل التحكـم فـي آثارهـا المتعـددة الابعـاد.
واسـتنادا إلـى تحاليـل معمقـة، فـإن اللجنـة تعتبـر أن النمـوذج التنمـوي الجديـد بإمكانـه تجسـيد الطمـوح المنشــود شــريطة توفيــر الامكانيــات والوســائل لإنجــاح تفعيــل اســتراتيجية متجــددة وإصاحــات مهيكلـة، بطريقـة ممنهجـة والتقائيـة وضـرورة اسـتثمارهما علـى الوجـه الأكمـل مـن حيـث الأثـر علـى السـاكنة والمجـالات الترابيـة فـي إطـار مـن التضامـن والإنصـاف.
مرجعية جديدة للتنمية
ولتحقيـق هـذا الطمـوح والأهـداف المترتبـة عنـه، فـإن اللجنـة تدعـو إلـى تبنـي توجـه تنظيمـي جديـد يكـرس التكامـل بيـن دولـة قويـة ومجتمـع قـوي، دولـة حاملـة لرؤيـة اسـتراتيجية للبـلاد ولمواطنيهـا وتحـرص علـى تنفيذهـا، دولـة تكفـل حمايـة وكرامـة وحريـات المغاربـة وتحميهـم مـن الهشاشـة والأزمـات وتمنـح الإطار الكفيــل بإشــراك كافــة الطاقــات، خدمــة لتنميــة البــلاد ولفائــدة المنفعــة المشــتركة والمصلحــة العامــة. ولا يعنـي هـذا دولـة أقـل بـل دولـة أحسـن. كمـا يتوخـى هـذا التوجـه مجتمعـا تعدديـا ومعبـأ ومسـؤولا يعـزز اسـتقلالية الأفـراد والمجموعـات المكونـة لـه. مجتمعـا يلتـزم بالدفـاع عـن المصلحـة العامـة، يكـرس جهـوده مـن أجـل دعـم قيـم المواطنـة واحتـرام الآخـر، بـدون اسـتثناء. مجتمعـا أكثـر قـدرة علـى مواجهـة التعقيـدات المتزايـدة التـي يشـهدها العالـم ويأخـذ بعيـن الاعتبـار تداخـل تحديـات التنميـة والحفاظ علـى توازنـات الأنظمة الايكولوجيـة، لاسـيما فيمـا يرتبـط بنـدرة بعـض المـوارد كالمـاء .
ويتعلـق الأمـر بمجتمـع قـادر علـى الأخـذ بزمـام أمـوره بـكل مسـؤولية بدعـم مـن الدولـة المركزيـة كشـريك حريـص علـى المضـي قدمـا نحـو الهـدف المنشـود. وذلـك مـن أجـل خلـق تـوازن بنّـاء بيـن سياسـات وطنيـة تنهجهـا الدولـة علـى المـدى البعيـد، مـن جهـة، والديناميـة الجهويـة والمحليـة التـي تتيـح هامشـا أكبـر للمبـادرة والتجريـب والابتـكار، مـن جهـة أخـرى.
ويعكـس هـذا التوجـه التنظيمـي مفهـوم« المسـؤولية والإقـاع الشـامل» الـذي تطـرق إليـه صاحـب الجلالـة فـي خطـاب العـرش لسـنة 2019. كمـا يترجـم بشـكل عملـي خصوصيـة النمـوذج المؤسسـاتي المغربـي بالنظر إلـى المكانـة المركزيـة للمؤسسـة الملكيـة باعتبارهـا عمـاد الدولـة ورمـز الوحـدة الوطنيـة والضامنـة لتـوازن القـوى والحاملـة للرؤيـة الاسـتراتيجية .
ويتوافـق هـذا التوجـه مـع المبـادئ التـي كرسـها دسـتور المملكـة ومـع تنظيـم السـلط التـي حددهـا، مثلمـا يركـز علـى ضـرورة الالتقائيـة بيـن السياسـات وتظافـر جهـود الفاعليـن فـي إطـار مقاربـة تعبويـة مبنيـة علـى شـراكة منفتحـة وتنظيـم للدولـة يكـرس الجهويـة باعتبارهـا رافعـة للتنميـة وعامـلا أساسـيا للتوظيـف الأمثـل لمؤهـلات البـلاد بـكل تنوعتهـا.
وقـد تمـت ترجمـة هـذا التوجـه التنظيمـي إلـى مبـادئ عمليـة تدعـم بشـكل ملمـوس منهجيـة تحريـر الطاقاتوالاسـتقلالية والمسـؤولية. وينـدرج فـي هـذا الإطـار التركيـز علـى الأثـر بالنسـبة للمواطـن وتطويـر قـدراتالفاعليـن واعتمـاد مرجعيـة القـرب كأسـاس لتوزيـع الاختصاصـات بيـن مختلـف المسـتويات الترابيـة، بالإضافـةالـى الحـرص علـى الاسـتدامة البيئيـة والماليـة .
ومــن أجــل تحريــر الطاقــات، يدعــو التوجــه الجديــد أيضــا إلــى وضــع إطــار لترســيخ الثقــة والمســؤولية مـن أجـل تعزيـز الحمايـة القانونيـة والمعنويـة للفاعليـن ووضـع المصلحـة العامـة فـوق كل اعتبـار. وتكمـن العناصــر المشــكِّلة لهــذا الإطــار فــي قضــاء قــوي وقوانيــن واضحــة وقواعــد عمــل شــفافة ومطبّقــة بــدون تمييـز ومسـاءلة الفاعليـن عبـر التقييـم المنتظـم للمهـام التـي يقومـون بهـا والاحتـرام الصـارم لقيـم النزاهـة والأخلاقيـات. ويعـد هـذا الإطـار ضروريـا مـن أجـل فسـح المجـال لكافـة الإرادات للمسـاهمة فـي تنميـة البـلاد ،كتعبيــر عــن تشــبث جميــع المغاربــة بمســتقبل وطنهــم ومــن أجــل ترســيخ قيــم المواطنــة وتعزيــز الحــس الوطنـي.
إن هـذا التوجـه المتعلـق بالتـوازن بيـن دولـة قويـة ومجتمـع قـوي لـه آثـار مـن حيـث مكانـة ودور الفاعليـن الرئيسـيين: الفاعليـن العمومييـن، والخـواص والقطـاع الثالـث، ومـن شـأنه تعزيـز شـرعية هـؤلاء الفاعليـن وتكريـس تمثيليتهـم وتوسـيع مجـال تدخلهـم ومسـاهمتهم فـي خلـق القيمـة. كمـا أنـه يُحمّلهـم المسـؤولية فـي تفعيـل النمـوذج التنمـوي ويشـجع علـى تظافـر الجهـود والتكامـل بيـن مختلـف الأطـراف المعنيـة.
خيارات استراتيجية ورهانات مستقبلية
تقتـرح اللجنـة خيـارات اسـتراتيجية مـن شـأنها إطـلاق ديناميـة جديـدة لخلـق الثـروة تمكـن مـن إدمـاج جميـع المواطنيــن وجميــع المجــالات الترابيــة وتعبــئ إمكانــات البــلاد وتغتنــم كافــة الفــرص المتاحــة. بعــض مــن هـذه الخيـارات تتضمـن تعزيـز مـا هـو قائـم أو تسـريع وتيـرة الإصلاحـات الجاريـة. وهنـاك خيـارات أخـرى هـي بمثابـة قطيعـة مـع الوضـع الراهـن، علـى الأقـل فيمـا يخـص المنهجيـة، أو فيمـا يتعلـق بالهـدف المنشـود، ممـا يسـتدعي تغييـرا عميقـا فـي طـرق العمـل والذهنيـات.
فعلـى المسـتوى الاقتصـادي، تعتبـر اللجنـة أنـه مـن الضروري تسـريع وتيرة التحـول الهيكلي للاقتصـاد الوطني قصـد جعلـه أكثـر ديناميـة وتنوعـا وتنافسـية، وقـدرة علـى خلـق مزيـد مـن القيمـة المضافـة ومناصـب الشـغل ذات جــودة ومــدرا للمــوارد مــن أجــل تمويــل الحاجيــات الاجتماعيــة. ولهــذا يجــب التركيــز علــى دعــم قــدرات الاقتصـاد الوطنـي مـن حيـث الصمـود والتكيـف سـواء مـع تبعـات الأزمـة الحاليـة أو مـع أزمـات أخـرى التـي مـن المتوقـع أن تـزداد وتيرتهـا وحدتهـا مسـتقبلا. وباعتبـاره دعامـة لمغـرب مزدهـر، فـإن التحـول الهيكلـي للاقتصــاد يفــرض تحديــدا: 1( تحريــر المبــادرة الخاصــة وبــث روح المقاولــة مــن خــلال منــاخ أعمــال شــفاف ومطمْئـن وتوقعـي وعبـر مسـاطر مبسـطة وتقنيـن مسـتقل يحفـز بشـكل ملمـوس ولـوج فاعليـن جـدد أكثـر إبداعـا؛ 2( تحسـين تنافسـية النسـيج الاقتصـادي عبـر التقليـص مـن تكلفـة عوامـل الإنتـاج وبشـكل خـاص الطاقـة واللوجسـتيك؛ 3( توجيـه اسـتثمارات القطـاع الخـاص سـواء تعلـق الأمـر بكبريـات الشـركات أو المقاولات الصغـرى والمتوسـطة نحـو القطاعـات الرائـدة والمسـتقبلية وأيضـا نحـو الارتقـاء بالنظـام الإنتاجـي وذلـك عبـر إطـار تحفيـزي ملائـم والولـوج الموسـع إلـى آليـات التمويـل المتعـددة وكـذا عبـر مواكبـة المقـاولات لتعزيـز قدراتهـا التدبيريـة والتنظيميـة والتكنولوجيـة؛ 4( تثميـن الاقتصـاد الاجتماعـي وجعلـه دعامـة للتنميـة ومصـدرا لخلـق فـرص الشـغل اللائـق داخـل المجـالات الترابيـة.
ومـع التأكيـد علـى ضـرورة اعتمـاد مقاربـة نسـقية ومندمجـة، فـإن اللجنـة تطرقـت بدقـة لبعـض الأنشـطةالقطاعيـة، اعتبـارا لمكانتهـا فـي الاقتصـاد الوطنـي ونتيجـة للإشـكاليات التـي طرحتهـا أزمـة كوفيـد19-علـى مسـتقبل هـذه القطاعـات، خصوصـا فيمـا يتعلـق بقضايـا السـيادة والقـدرة علـى مواجهـةالأزمـات. ويتعلـق الأمـر بـكل مـن قطاعـي الفلاحـة والسـياحة.
بالنسـبة للقطـاع الفلاحـي، فـإن الأزمـة الصحيـة الراهنـة أبـرزت الرهانـات المرتبطة بالسـيادة الغذائيـة وضرورة تطويـر فلاحـة عصريـة وذات قيمـة مضافـة عاليـة، دامجـة وتكـرس معاييـر المسـؤولية الاجتماعيـة والبيئيـة .وبالإضافـة الـى تقويـة اندمـاج سلاسـل القيمـة الفلاحيـة، مـن أجـل تثميـن أفضـل للإنتـاج المحلـي، وإيـلاء الأهميـة لاسـتدامة المـوارد خصوصـا المـاء، فـإن ترسـيخ السـيادة الغدائيـة يسـتدعي تحفيـز أنشـطة البحـث والابتـكار وإرسـاء حكامـة شـمولية أكثـر تنسـيقا علـى مسـتوى المجـالات الترابيـة.
فيمـا يتعلـق بقطـاع السـياحة، فـإن آثـار الأزمـة الصحيـة تجعـل مـن الضـروري إعـادة التفكيـر فـي تطـور هـذا القطـاع وفـق مقاربـة ترتكـز علـى الاسـتدامة ودعـم قـدرات الصمـود أمـام الأزمـات. ويحتـاج هـذا القطـاع إلـى نفـس جديـد، يمتـد علـى المـدى المتوسـط والبعيـد، ويرتكـز علـى تثميـن مؤهـلات كافـة المجـالات الترابيـة ،قصـد تحفيـز السـياحة الداخليـة وكـذا الرفـع مـن جاذبيـة القطـاع لبعـض مكونـات الطلـب الخارجـي. ولهـذا الغـرض، يتحتـم تكميـل عـرض الإيـواء بعـرض يخـص التنشـيط وتقديـم تجـارب متنوعـة ذات جـودة، وفـق مقاربــة منظوماتيــة، وكــذا دعــم ريــادة الاعمــال وتعزيــز الكفــاءات فــي مجــال الخدمــات الســياحية وتســريع التحـول الرقمـي للقطـاع، بالإضافـة إلـى تعزيـز التنسـيق علـى المسـتويين الاسـتراتيجي والعملـي .
ويشـكل تجويـد الرأسـمال البشـري مـن أجـل مغرب الكفـاءات، أمـرا ضروريا لتحريـك آليات الارتقـاء الاجتماعي ولتمكيـن المغـرب مـن التحسـين الكبيـر لترتيبـه ضمـن التصنيفـات العالميـة ذات الصلـة وذلـك بفضل الترسـيخ القـوي لاقتصـاد المعرفة .
وفـي مجالـي الصحـة والتعليـم، باعتبارهمـا ركائـز هامـة لتجويـد الرأسـمال البشـري، فـإن اللجنـة تقتـرح : 1( التعزيـز الجوهـري لعـرض الخدمـات العموميـة بمجمـوع المجـالات الترابيـة وضمـان الولـوج المنصـف إليهـا وذلك إلـى جانـب قطـاع خـاص كشـريك مسـؤول ونزيـه ؛2( التركيـز علـى جـودة الخدمـات وتقييمهـا انطلاقـا مـن المعـارف المكتسـبة مـن طـرف التلاميـذ ومـن مسـتوى كفـاءات الطلبـة وقابليتهـم لولـوج سـوق الشـغل وكـذا عبـر عـرض صحـي يواكـب التعميـم الفعلـي للتغطيـة الصحيـة؛ 3( تثميـن المـوارد البشـرية وتقويـة قدراتهـا سـواء بالنسـبة للأسـاتذة والباحثيـن أو الأطبـاء ومسـتخدمي القطـاع الصحـي.
وفـي هاذيـن القطاعيـن، لا يمكـن تجويـد أداء ونجاعـة المرافـق العموميـة دون حكامـة ترابية واسـتقلالية أكبر للمؤسسـات التعليميـة والجامعـات والمراكـز الاستشـفائية. ويتحقـق كل ذلـك فـي إطـار مـن المسـؤولية إزاء الالتزامـات المبنيـة علـى النتائـج والنجاعـة وآليـات منتظمـة للتقييـم.
وبشــكل أكثــر تحديــدا، تــرى اللجنــة أنــه بالإضافــة الــى مهمتهــا الجوهريــة فيمــا يتعلــق بالتكويــن وتنميــة القـدرات، فـإن المدرسـة المغربيـة يتحتـم عليهـا الاضطـلاع بـدور هـام فـي مجـال نشـر وترسـيخ القيـم، مـن خـلال تربيـة وطنيـة ودينيـة متجـددة، تسـتند علـى تاريخنـا العريـق. وغنـى وتنـوع ثقافتنـا الوطنيـة وارتباطنـا بمنهـج الإسـلام المنبنـي علـى التآلـف والتضامـن. وعبـر تطويـر قيـم المواطنـة، التـي تكـرس احتـرام الآخـر بمنــأى عــن الاختلافــات، وأهميــة المنفعــة المشــتركة وســمو المصلحــة العامــة والمشــاركة المواطنــة، فإنــه بالإمـكان تقويـة الشـعور بالانتمـاء للوطـن وترسـيخ التشـبث بثوابـت الأمـة.
فـي قطـاع الصحـة، إن التحديـات الجديـدة التـي تطرحهـا أزمـة كوفيـد 19 والمخاطـر المحتملـة لظهـور أزمـات صحيـة مسـتقبلا، تجعـل مـن الضـروري والملـح تقويـة قـدرات منظومـة الصحـة مـن حيـث اليقظـة والوقايـة والصمــود. وبالمــوازاة مــع تعزيــز الجهــود المبذولــة حاليــا مــن أجــل اســتدراك التأخــر الهيكلــي ومقاومــة آثــار الجائحـة الحاليـة، سـيكون مـن المهـم بـذل جهـود كبيـرة لتقويـة السـيادة الوطنيـة فـي مجـال الصحـة عبـرتطويـر صناعـة صيدليـة وطبيـة تكـون قـادرة علـى إنتـاج الأدويـة، واللقاحـات وإجـراء الفحـوص فضـلا عـنالمعـدات الطبيـة والمسـتهلكات الطبيـة، للاسـتجابة للحاجيـات الوطنيـة فـي هـذا المجـال وأيضـا لتلبيـة طلـبالبلـدان الافريقيـة.
يظــل إدمــاج الجميــع، بشــكل يكفــل كرامتهــم، قضيــة محوريــة مــن أجــل إرســاء قواعــد عيــش مشــترك ،منسـجم ومسـتقر يعـزز الرابـط الاجتماعـي ويُفسـح المجـال أمـام فـرص المشـاركة فـي وجـه كافـة المواطنين .
ويسـتدعي مغـرب الإدمـاج إعطـاء الأولويـة ل: 1( الدفـع بصفـة إراديـة ومقصـودة نحـو اسـتقلالية ومشـاركة المـرأة؛ 2( دعـم إدمـاج وتنميـة الشـباب وتحديـدا مـا مجموعـه 4.5 مليـون شـاب غيـر نشـيط حاليـا وذلـك عبـر المشـاركة المدنيـة والثقافيـة والرياضيـة وكـذا مـن خـلال الإدمـاج المهنـي؛ 3( ضمـان قاعـدة صلبـة للحمايـة الاجتماعيـة تعـزز القـدرات والإدمـاج لفائـدة الفئـات المحرومـة وتجسـد التضامـن بيـن المواطنيـن وفـق مبـادئ المسـاهمات المنصفـة و؛ 4( اسـتثمار التعـدد الثقافـي باعتبـاره رافعـة للانفتـاح والحـوار والتماسـك الاجتماعـي .وفـي انسـجام مـع التوجـه الجديـد، ومـن أجـل بلـوغ مغــرب الاســتدامة، تدعـو اللجنـة إلـى ضـرورة تعزيـز دور المجـالات الترابيـة باعتبارهـا نـواة لترسـيخ ديناميـة التنميـة وبنـاء إطـار للعيـش يتسـم بالجـودة لفائـدة المواطــن وكــذا للحفــاظ علــى الاســتدامة. وفــي هــذا الصــدد يتعيــن العمــل علــى: 1( تســريع اللامركزيــة واللاتمركـز مـوازاة مـع النقـل الفعلـي للسـلط والعمـل علـى أن تمـارس الجهـات وظائفهـا وصلاحياتهـا بشـكل كامـل؛ 2( إعـادة النظـر فـي التنظيـم الإداري للمجـالات الترابيـة وتشـجيع تظافـر جهودهـا بهـدف تحسـين جـودة الخدمـات المقدمـة للمواطنيـن؛ 3( تبسـيط حكامـة التخطيـط العمرانـي واعتمـاد سياسـة للسـكن، خصوصـا فيمـا يتعلـق بالسـكن الاجتماعـي، مـن أجـل تعزيـز التمـازج الاجتماعـي ودعـم الادمـاج السوسـيو-اقتصادي وتحسـين إطـار العيـش، مـع عـرض للخدمـات العموميـة للقـرب، ووسـائل نقـل مواتيـة وتسـتجيب لحاجيـات السـاكنة بالإضافـة الـى تعزيـز الربـط الرقمـي ؛ 4( تعزيـز حمايـة المـوارد الطبيعيـة والتنـوع البيولوجـي وإصـلاح قطـاع المـاء عبـر أنمـاط اسـتهلاك تعكـس نـدرة هـذا المـورد الحيـوي.
ولإرســاء مغــرب الجــرأة، تقتــرح اللجنــة خمســة رهانــات للمســتقبل بإمكانهــا أن تجعــل مــن المغــرب أحــد الأقطــاب الإقليميــة الأكثــر ديناميــة وجاذبيــة فــي المجــال الاقتصــادي والمعرفــي. وتتعلــق هــذه الرهانــات بالتكويـن والبحـث الميدانـي فـي خدمـة المجـالات الترابيـة؛ طاقـة تنافسـية ومنخفضـة الكربـون، المنصـات الرقميـة والربـط بالصبيـب العالـي للأنترنيـت؛ الآليـات المتعـددة لتمويـل الاقتصـاد؛ علامـة «صنـع فـي المغـرب »كوسـيلة لتثميـن إمكانـات ومؤهـلات المملكـة وللاندمـاج أكثـر فـي سلاسـل القيمـة العالميـة.
وتواكــب الخيـارات الاســتراتيجية السـالفة الذكــر مجموعـة مــن المقترحـات العمليـة والمشـاريع التـي بإمـكان الفاعليـن تملكهـا بغيـة إطـلاق عمليـة التغييـر صـوب الأفـق المنشـود.
رافعات التحول
مـن أجـل تسـريع وتيـرة التغييـر، تدعـو اللجنـة إلـى تحديـث الجهـاز الإداري فيمـا يخـص الكفـاءات وطـرق العمـل والاعتمـاد الكبيـر علـى الرقميـات بالنظـر إلـى آثارهـا مـن حيـث تحقيـق التحـول السـريع.
ويسـتدعي النمـوذج التنمـوي مـن أجـل تفعيلـه إرسـاء جهـاز إداري متجـدد، يكـرس جهـوده للصالـح العـام ويكـون فـي خدمـة المواطنيـن. وتقتـرح اللجنـة فـي هـذا الإطـار التمييـز بيـن المسـتوى الاسـتراتيجي ومسـتوى السياسـات العموميـة التـي تنـدرج فـي إطـار المهـام السياسـية وبيـن إطـار التقنيـن الـذي هـو مـن اختصـاص الإدارة الدائمـة والمسـتوى العملـي للتنفيـذ الـذي يرجـع فيـه الاختصـاص للفاعليـن العمومييـن أو الخـواص النشـيطين داخـل المجـالات الترابيـة. ويسـتوجب ذلـك إدارة مسـؤولة تضـم الكفـاءات وتكـرس ثقافـة الأداء والنتائـج وإدارة شـفافة يمكـن مسـاءلتها عـن قراراتهـا وعـن قدرتهـا علـى اتخـاذ المبـادرات ومواكبـة التغييـر .وبصفــة خاصــة، فــإن التجديــد الــدوري للوظائــف العليــا فــي القطــاع العمومــي علــى المســتويين الوطنــي والترابــي وكــذا لمســيري المقــاولات والمؤسســات العموميــة يعــد تحديــا ينبغــي إيــلاؤه أهميــة قصــوى مــن خـلال وضـع آليـات للرفـع مـن جاذبيـة المناصـب العليـا للوظيفـة العموميـة وتحديـد واختيـار الخبـرات المؤهلـة وتثمينهـا. كمـا أن تحسـين أداء الإدارة يقتضـي تبسـيط وتخفيـف مسـاطر التسـيير الداخلـي )قواعـد الحكامـة بمعاييــر دوليــة: تشــكيل المجالــس الإداريــة، مســاطر مراقبــة تكــرس المســؤولية، التقييــم المنتظــم( وذلــك مـن أجـل تمكيـن هـذه الأخيـرة مـن التركيـز علـى المهـام الأفقيـة والغايـات وأيضـا مـن أجـل تحمـل الآمريـن بالصـرف لمسـؤولياتهم وتحفيـز إقـلاع المجـالات الترابيـة باعتبارهـا فضـاء لالتقائيـة السياسـات العموميـة .
وأخيـرا، فـإن علـى الإدارة إيـلاء مزيـد مـن الأهميـة لجـودة الخدمـات المقدمـة للمواطـن مـن خـلال تسـريع مسلسـل تبسـيط المسـاطر الإداريـة ورقمنتهـا الشـاملة وتمكيـن المواطـن من الولـوج إلى المعطيـات العمومية حتـى يكـون فـي وسـعه التقييـم المُنتظِـم لجـودة الخدمـات وإمكانيـة الطعـن فـي حـالات النـزاع أو التعـرض للتعسـف.
وتعتبــر اللجنــة أن الرقميــات تعــد أداة أساســية للتغييــر وللتنميــة وأن المغــرب بإمكانــه أن يمتلــك الطمــوح ليصبـح بلـدا رقميـا فـي أفـق 2025. وبالفعـل، فـإن الرقميـات مـن شـأنها أن تسـاعد علـى تحريـر الطاقـات والرفـع مـن منسـوب الثقـة بيـن المواطنيـن والدولـة والتغلـب على معضلـة الرشـوة وتحفيز الإدمـاج الاقتصادي والاجتماعـي والمجالـي لشـريحة واسـعة مـن المجتمـع. ومـن شـأن اعتمـاد مسـاطر مبسـطة وواضحـة وخدمـات ذات جـودة عاليـة أن تجعـل علاقـة الدولـة بالمواطـن وعلاقـة الدولـة بالمقاولـة أكثـر انسـيابية وشـفافية .
ويتطلـب التحـول الرقمـي للمغـرب تحديثـا سـريعا للبنيـة الرقميـة عـن طريـق ربـط مجمـوع المجـالات الترابيـة بشـبكة الانترنيـت وبصبيـب عالـي وتكويـن عـدد كاف مـن الكفـاءات واسـتكمال الإطـار القانونـي والتوافقيـة بيـن الأنظمـة مـن أجـل رقمنـة المرافـق والخدمـات العموميـة وتعزيـز الثقـة الرقميـة.
تمويل النموذج
أثـرت أزمـة كوفيـد19- علـى مـوارد الدولـة وعلـى طبيعـة النفقـات العموميـة ذات الطابـع الاسـتعجالي؛ وقـد بينــت بشــكل واضــح مــدى ارتبــاط نجــاح النمــوذج التنمــوي الجديــد، قبــل كل شــيء، باعتمــاد اســتراتيجية ملائمـة للتمويـل. وتعتبـر اللجنـة أن الإصلاحـات المهيكلـة التـي يتطلبهـا النمـوذج التنمـوي الجديـد سـوف تخلق قيمـة مضافـة وعائـد اسـتثمار مرتفـع. كمـا أنهـا ستسـمح بضمـان اسـتدامة تمويـل النمـوذج علـى المـدى الزمنـي وخصوصـا إذا تمـت عبـر مراحـل متناسـقة مـن خـلال إعطـاء الأولويـة للإصلاحـات ذات الأثـر الكبيـر والسـريع ممـا يتيـح إمكانيـة التمويـل الذاتـي لـلأوراش بعيـدة الأمـد والتـي تسـتلزم ميزانيـات مهمـة وبشـكل تواتـري .
وبالتالــي فــإن إطــلاق النمــوذج التنمــوي الجديــد يظــل رهينــا بتوفيــر مــوارد إضافيــة مهمــة. فبالنســبة للإصلاحـات المهيكلـة، خصوصـا تلـك المتعلقـة بالرأسـمال البشـري والحمايـة الاجتماعيـة، فمـن الممكـن تعبئة المـوارد عـن طريـق اللجـوء إلـى سـوق الرسـاميل وتعبئـة الشـركاء والمانحيـن الدولييـن، شـريطة أن يكـون مسـار التنميـة المقتـرح ذا مصداقيـة ويتـم توجيـه المـوارد المعبئـة خصيصـا للمشـاريع التحوليـة التـي بإمكانهـا تسـريع النمـو الاقتصـادي ودعـم الاسـتقرار الاجتماعـي.
وفيمـا يخـص مشـاريع التنميـة الاقتصاديـة والبنيـات التحتيـة، سـيكون مـن الأجـدر تعبئـة مـواردَ إضافيـة عـن طريـق جـذب المسـتثمرين المحلييـن والأجانـب سـواء المؤسسـاتيين أو الخـواص الراغبيـن فـي الاسـتثمار فـي قطاعــات المســتقبل ذات المردوديــة المرتفعــة. إن تعبئــة هــذه المــوارد التــي ســتُمكن مــن ترشــيد وتوزيــع المـوارد الماليـة العموميـة تتطلـب خلـق فضـاء مـن أجـل الاسـتثمار فـي إطـار شـراكة مـا بيـن القطـاع العـام والخـاص والاسـتثمارات الأجنبيـة المباشـرة. ويفتـرض ذلـك تحديـد وتهيئـة حزمـة مشـاريع قابلـة للتمويـل.
وهـذا يحيـل أيضـا علـى ضـرورة تسـريع ورش مراجعـة سياسـة المسـاهمات الماليـة للدولـة مـن خـلال إرسـاء الوكالــة الوطنيــة للتدبيــر الاســتراتيجي لمســاهمات الدولــة وإعــادة هيكلــة بعــض المؤسســات والمقــاولات العموميـة ذات الطابـع التجـاري عبـر تحويلهـا إلـى شـركات مجهولـة الاسـم والتثميـن الأمثـل لأصولهـا وفتـح رأسـمالها للمسـاهمات العامـة مـن أجـل مواكبـة تطويرهـا، كلمـا كان ذلـك ممكنـا. ومـن الـلازم أن يتـم إطـلاق هــذا الــورش بالتزامــن مــع القيــام ببعــض الإصلاحــات القطاعيــة الرئيســية )الطاقــة، المــاء، اللوجيســتيك ،القطـاع المالـي( وذلـك بشـكل يضمـن عـرض خدمـات ذات جـودة للمواطنيـن وبأقـل تكلفـة وتحفيـز تنافسـية النســيج الاقتصــادي. وتعتبــر هــذه الإصلاحــات ضروريــة مــن أجــل تهيئــة ظــروف الانفتــاح علــى الاســتثمار الخــاص عبــر إرســاء هيئــات مســتقلة للضبــط بمعاييــر دوليــة تُمكِّــن مــن وضــع إطــار لحكامــة ذات جاذبيــة بالنسـبة للمسـتثمرين والولـوج الـى أدوات تمويليـة مبتكـرة .
آليات التفعيل
إن تفعيـل النمـوذج التنمـوي الجديـد يسـتدعي قيـادة قـادرة علـى خلـق ظـروف التملـك الجماعـي مـن طـرف كافـة القـوى الحيـة لهـذا النمـوذج وضمـان تتبـع تنفيـذه. وترتكـز هـذه القيـادة علـى خصوصيـة المغـرب بالنظر إلـى المكانـة المركزيـة للمؤسسـة الملكيـة لكونهـا حاملـة للرؤيـة التنمويـة ولـلأوراش الاسـتراتيجية ذات البعـد الزمنـي الطويـل وحريصـة علـى تتبعهـا وتنفيذهـا بمـا يضمـن مصلحـة المواطنيـن.
وفي هذا السياق، تقترح اللجنة آليتين لمواكبة تنزيل النموذج التنموي الجديد:
تتمثـل الآليـة الأولـى فـي ميثـاق وطنـي للتنميـة يهـدف إلـى تكريـس التـزام كافـة القـوى الحيـة للبـلاد اتجـاه أفـق تنمـوي جديـد ومرجعيـة مشـتركة. وسيشـكل هـذا الميثـاق الإطـار العـام لتناسـق وتظافـر الجهـود بيـن مجمـوع الفاعليـن ولتحديـد الأولويـات الاسـتراتيجية التـي تؤطـر عمليـة تخصيـص المـوارد. ويرتكـز الميثـاق أيضـا علـى الخيـارات الأساسـية للتنميـة باعتبارهـا قاعـدة مشـتركة بيـن مكونـات الأمـة وذلـك مـن أجـل فسـح المجـال للخيـارات المتعـددة للفاعليـن السياسـيين فيمـا يخـص تفعيـل السياسـات العموميـة. ومن خـلال قدرته علـى توفيـر قـراءة واضحـة للخيـارات التنمويـة الكبـرى للبـلاد علـى المـدى المتوسـط والبعيـد سيسـاهم هـذا الميثـاق فـي الإشـعاع الدولـي للمملكـة والرفـع مـن جاذبيتهـا.
ومـن الممكـن اعتمـاد هـذا الميثـاق بصفـة علنيـة مـن طـرف المعنييـن، إذ سيشـكل التزامـا سياسـيا ومعنويا قويـا أمـام جالـة الملـك وأمـام الأمـة برمتها. وسـيكون هـذا الميثـاق أداة لتجديد علاقـة الدولـة بالفاعلين فـي مجـال التنميـة وسـيمهد الطريـق لمرحلـة تاريخيـة جديـدة فـي مسـار التنميـة بالبـلاد، سـواء علـى مسـتوى رمزيتـه أو طابعـه الاسـتراتيجي وخاصيتـه الوظيفية .
ويتمثــل المقتــرح الثانــي فــي إحــداث آليــة، تحــت إشــراف جالــة الملــك، لتتبــع وتحفيــز الأوراش الاسـتراتيجية وقيـادة التغييـر. ومـن خـلال العمـل علـى الانسـجام الشـمولي والموائمـة الاسـتراتيجية فـي اتجـاه الأفـق المنشـود عبـر تحفيـز ودعـم الإصلاحـات التحوليـة سـتمكن هـذه الآليـة مـن تكريـس مسـؤولية الجهــات المعنيــة وتعزيــز الأداء العــام .
ومـن شـأن هـذه الآليـة أن تضطلـع بالمهـام التاليـة: 1( التعريـف بالنمـوذج التنمـوي الجديد )المرجعيـة والميثاق الوطنـي للتنميـة( وضمـان نشـره علـى نطـاق واسـع عبـر مختلـف وسـائل الاتصـال والإعـلام؛ 2( وضـع تصـور لـلأدوات المنهجيـة الهادفـة إلـى تيسـير سـبل التنفيـذ المنسـجم والفعـال للنمـوذج التنمـوي ووضعهـا رهـن إشـارة الهيئـات والسـلطات المعنيـة؛ 3( ضمـان تجانـس الاسـتراتيجيات والإصلاحـات المقترحـة لإرسـاء النمـوذج التنمـوي الجديـد، مـع الإطـار المرجعـي والميثـاق الوطنـي للتنميـة وذلـك قبـل اعتمادهـا مـن طـرف السـلطات المختصــة مــن خــلال صياغــة الآراء والتوصيــات؛ 4( العمــل علــى تتبــع تنفيــذ المشــاريع الاســتراتيجية التــي تقودهـا السـلطات المسـؤولة ورفـع تقريـر بخصـوص هـذه المشـاريع إلـى صاحـب الجلالـة؛ 5( مواكبـة قيـادة التغييـر وفقـا للتعليمـات الملكيـة السـامية مـن خلال المسـاهمة في إعداد مشـاريعَ اسـتراتيجية لدعم السـلطات والهيئـات المختصـة و لتجريـب الأوراش المبتكـرة ولتطويـر مسـالك تنفيذيـة متعلقـة بالتكويـن الميدانـي وإدارة التغييـر داخـل الجامعـات ومعاهـد التكويـن المتخصصـة.
******
إن اقتـراح النمـوذج التنمـوي يرتكـز علـى طمـوح مشـترك ومسـار مـن أجـل تحقيقـه. وبإمـكان المغـرب، مـن خـلال تعبئـة كافـة مؤهلاتـه وطاقـات نسـائه ورجالـه، أن يحقـق، تحـت القيـادة الحكيمـة لصاحـب الجلالـة ،قفـزة نوعيـة تمكنـه مـن الانتقـال الـى مرحلـة جديـدة فـي مسـاره التنمـوي. كمـا هـو الشـأن خـلال المحطـات الكبــرى التــي عرفهــا التاريــخ العريــق للمملكــة، بإمــكان هــذه المرحلــة أن تشــكل نقطــة انطــلاق ديناميــة حميـدة، تخلـق الثقـة وتترتـب عنهـا آثـارا إيجابيـة وملموسـة مـن حيـث ازدهـار ورفـاه المواطنـات والمواطنيـن المغاربـة، متحديـن ضمـن تعدديتهـم، يجسـدون مثـالا للحـوار والسـلام والبنـاء المشـترك مـع الأمـم الأخـرى لعالـم أفضـل .
ملخص النموذج التنموي pdf