رواية “هوت ماروك” لـ”ياسين عدنان”: كوميديا سوداء تُعَرِّي أعطاب المجتمع المغربي

0 2٬316

بقلم: ذ. علاء كعيد حسب / شاعر و كاتب صحفي

“الريان المغربية”  –  تجربتنا التاريخية، على حد تعبير “ميلان كونديرا”، علمتنا أن الإنسان يغدو عنصرا في كتلة أكثر منه فردا (موضوعا)، و هي بالضبط، الخلاصة التي اختزنها الإعلامي والأديب المغربي “ياسين عدنان” في روايته “هوت ماروك” التي قدمها على أنها رواية “حول المغرب.. تحاول رصد تحولاته منذ السبعينيات إلى الآن، و كيف أن المغرب والمغاربة انتقلوا من حياة بسيطة إلى حياة تعج بالصخب، مع تطور الحياة في المدينة و ظهور الانترنت.. رواية ترصد التحولات السياسية بالمغرب خلال هذه العقود، من خلال سيرة شخصية طريفة وغريبة الأطوار اسمها رحَّال العوينة”.

“رحَّال العوينة” بطل “هوت ماروك”، شخصية يائسة وجبانة وتعيش في الظل. بطولاته الوحيدة حققها في أحلامه وعن طريق الوشاية الكاذبة وتلفيق التهم أيام دراسته الجامعية، وعن طريق الإنترنت، عبر اسمين مستعارين لمعلقين من نسج خياله على موقع إخباري، وحساب لفتاة، جسدها واقعي وتفاصيلها من خيال، على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”. أما حضوره اليومي في الواقع، فباهت ولا يتعدى هوامش الحياة في مدينة مراكش الصاخبة التي اختارها “عدنان” فضاءً لروايته.

الرواية الصادرة مؤخرا عن دار “الفينك” بالمغرب وعن دار النشر “العين” بمصر، والتي جاءت في 460 صفحة من الحجم المتوسط، تعتبر مرآة لواقع الحياة بالنسبة إلى جيل “ياسين عدنان”، بكل ما يمثله من آمال وانكسارات وأحزان وأفراح، كما تستعرض الرواية في اثنين وثلاثين فصلا، تفاصيل طبعت حياة المغاربة، انطلاقا من حياة المراكشيين، خلال الأربعة عقود الأخيرة.

“رحَّال” الشخصية المحورية في الرواية، شخصية يتجلى حقدها جليا في موضعين اثنين، أولهما تلفيقه التهم لـ”وفيق الدرعي” الشاعر الشاب المحبوب الذي لم يتقبل “رحَّال” الحظوة التي يتمتع بها بين طالبات الجامعة بفضل وسامته وتميزه في قصيدة النثر، ليقدم معلومات مغلوطة لأحد الطلاب مفادها بأن “الدرعي” يقدم تقارير إلى الأجهزة الأمنية عن كل ما يجري داخل التنظيمات اليسارية بالجامعة، ما تسبب للشاعر المسكين في مشاكل أرغمته على التواري عن الأضواء التي سيحرص “رحَّال” عند كل مناسبة من حرمانه منها عن طريق التعليقات اللاذعة والتهم الملفقة والأسماء المستعارة. أما ثاني الموقفين، فهو استدراج “عماد القطيفة” الشاب الناجح إلى فخ موعد مع “هيام” الشخصية الفيسبوكية التي ابتدعها “رحَّال” من أجل الإيقاع به مع زوجته، لحقده على “عماد” بسبب نجاحاته رغم أنه لم يحصل على شهادة الباكالوريا وزواجه من “هيام” المرأة التي يعشقها “رحَّال” ويضاجعها فقط في أحلامه.

كما أن “هوت ماروك”، تُشَرِّحُ واقع حال المجال الصحفي بالمغرب، وما يعتريه من خلل في رسالته النبيلة وخضوع بعض ممتهنيه لأجندات توحي إليهم ما يعملون، من خلال شخصيتي “نعيم مرزوق” كاتب أعمدة الرأي بجريدة “المستقبل” و”أنور ميمي” رئيس تحرير الموقع الإخباري “هوت ماروك”. بحيث أن السارد جعل حضورهما ضمن أحداث الرواية مقرونا بتنفيذ التعليمات والأجندات، بعيدا عن أي حس لأخلاقيات المهنة أو للضمير المهني. وبذلك يمنحنا الراوي صورة واقعية نسبيا عن كيفية تحريك الرأي العام المغربي من خلال السلطة الرابعة.

كما جعل “عدنان” من روايته نافذة عكست التحولات السياسية التي طرأت بعد وفاة الملك الحسن الثاني و اعتلاء الملك محمد السادس العرش، من حيث التعددية الحزبية وحرية التعبير والتهجين الذي أضحى سمة الأحزاب السياسية التي انسلخت عن الإيديولوجيات بهدف احتلال المراتب المتقدمة في صناديق الاقتراع، وما يرافق ذلك من استغلال للدين ومآسي العباد ومقدسات البلاد. دون أن يغيب الروائي في بداية روايته، سرد تفاصيل من الحياة الجامعية المغربية وما يسمها من حماس وغيرة ونضال من جهة، و خيانة وتقاعس وبهتان من جهة أخرى.

ومن خلال “هوت ماروك”، تناول “ياسين عدنان” بعضا من جوانب حياة مهاجري دول جنوب الصحراء بالمغرب، من خلال شخصيات “أميليا” و”فلورا” و”ياكابو” الذين لم يجدوا بديلا عن الاشتغال في الدعارة. كما تناولت الرواية انتقال الجنس من الواقع الملموس إلى الافتراضي، عبر “فدوى” و”سميرة” فتاتي “نجمة مراكش” اللتين كانتا توظفان الانترنت من أجل الحصول على زبائن وتقديم خدمات جنسية لهم عبر الويب بمقابل مادي. كما تناولت الرواية، تلك الفئة الانتهازية التي لا تهمها المبادئ بقدر ما تهمها مصالحها الشخصية، انطلاقا من شخصية “اليزيد” البراغماتي لدرجة تثير الغثيان. وتطرق “عدنان” في روايته أيضا، لكيفية صناعة العالم الرقمي للتطرف الديني عبر شخصية “أبو قتادة”، ولاستعداد بعض الشباب المغربي عن التخلي عن كل شيء بهدف الهجرة إلى الخارج انطلاقا من شخصية “قمر الدين”.

ومن بين ما يستخلصه القارئ لـ”هوت ماروك”، غياب سلطة الحب وقلة حيلة المصابين به وسوء حظهم، وكأن “عدنان” يؤكد ما ذهبت إليه الروائية التركية “إليف شافاق” حين قالت: إن مناقشة موضوع عميق وشديد الحساسية كالحب أشبه بمحاولة الإمساك بريح عاصفة. فقد يصيبك الأذى الذي تسببه الريح، لكن ما من وسيلة إلى التخفيف من سرعتها.

و في ختام هذه القراءة المتواضعة لنص سردي سيجد، من دون شك، حيزا له في دراسات النقاد وبحوث المهتمين بالحقل الروائي، نستطيع القول بكل ثقة وأمانة، بأن “هوت ماروك” للإعلامي والأديب المغربي “ياسين عدنان”، رواية ممتعة اشتغل عليها مؤلفها بوعي وحس شعري نافذ، لا يمكن إلا أن يبصم ذائقة المتلقي ويدفعه إلى قراءتها من مرة إلى أخرى..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات