حرائر الصحراء ينقشن الجلمود تحت حمارة القيض لتحقيق ذواتهن

0 1٬054

“الريان المغربية” – طاطا – بقلم: ذ. محمد صلح اكليم
“الريان المغربية” –  تحت شمس حارقة، ومناظر الواحات المتناثرة على جنبات الطريق الوطنية رقم 12؛ الرابطة بين طاطا وكلميم، انطلق الباص الذي يقل الوفد الصحفي المشارك في القافلة الإعلامية التي تنظمها وكالة انعاش التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأقاليم الجنوب بالمملكة، في إطار علاقتها مع الجسم الإعلامي، للوقوف على مشاريع المنجزة في إطار برنامج واحات الجنوب، انطلق ـ يشق عباب السراب الذي يتراءى على طول الأسفلت والناتج عن حمارة القيض التي تضرب المنطقة خاصة في مثل هذه الوقت من السنة.

وصلت القافلة على مشارف مدينة فم الحصن، التابعة لإقليم طاطا ـ 130 كلم جنوبي شرق كلميم، حيث كان رئيس المجلس الجماعي الحضري الشاب احمد ازحاي في انتظار الوافدين، وتوجه بهم مباشرة الى مجمع للصناعة التقليدية، تعرض فيه كل ما ابدعته يد الصانع التقليدي المحلي، من مجوهرات وحلي فضية وادوات  واثاث جلدي ومنحوتات خشبية، في الدور الارضي لبناية شيدت بالمواد المتوفرة محليا، وبسواعد ابناء المدينة، في اطار مشروع ممول ضمن برنامج واحات الجنوب، التي تشرف عليه الوكالة بشراكة مع باقي الفاعلين، فيما خصص الدور الأعلى من البناية لغرف مجهزة بأفرشة تستغل كمأوى سياحي وحيد لاستقبال السياح الذين يتوافدون على المنطقة من كل بقاع العالم، رغم محدودية عددهم، لاكتشاف خباياها، وجمال وهدوء واحاتها. وهو مشروع على بساطته وفر مناصب شغل مهمة، مما ساهم بشكل ملحوظ في إنعاش الأنشطة المدرة للدخل.   

في اليوم الموالي، وبعد وجبة إفطار بنزل يتواجد وسط مدينة طاطا، توجهت القافلة الإعلامية إلى الجماعة القروية اقا ايغان ـ 80 كلم شمال شرق طاطا حاضرة الإقليم، حيث زار الوفد الصحفي بناية أكادير تسرغينت التي تخضع لإعادة الترميم، بهدف الحفاظ على ذاكرة القرية، وجعلها مزارا للسياح الأجانب والمغاربة للوقوف على مدى قدرة الإنسان الصحراوي بهذه الربوع من المملكة على تحدي قساوة الطبيعة وشح الموارد، لبناء صرح معماري بالمواد المتوفرة محليا، ظل صامدا لأزيد من أربعة عقود.

خلال جولة ميدانية للجماعة القروية اقا ايغان، وقف الوفد الإعلامي على مشاريع أنجزتها تعاونيات محلية  تكشف بجلاء عن مدى الانخراط الفعلي للمرأة القروية في العمل التعاوني لتحقيق الانفتاح على العالم الخارجي،  وإيجاد موقع قدم  يمكنها من المساهمة الإيحابية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالمنطقة. خاصة في ظل الاهتمام الكبير الذي أولته وكالة الجنوب لساكنة مناطق الواحات ضمن برنامجها الذي وضعته بشراكة مع المنظومة المحلية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والتعاونيات المعنية.

ولمساعدة النساء في وضعية الهشاشة الاجتماعية، بدوار تسكموظين التابع لجماعة أقا إيغان، بادرت جمعية القصور للتنمية والأنشطة الاجتماعية والثقافية، في إطار برنامجها، إلى العمل على توفير قروض صغيرة  لفائدة المرأة بدون فائدة، ممول من صندوق الأموال المتجددة، يهدف إلى  تمويل مشاريع تهتم بمجال تربية المواشي والحياكة واقتناء لوازم تنظيم الحفلات وآليات أخرى، وأفادت السيدة فظمة حميرو، الرئيسة المشرفة على هذا الصندوق في تصريح  صحفي، أن الجمعية ومنذ إحداثها سنة 2012، مولت 116 مشروعا بتكلفة مالية بلغت قيمتها 244 ألف درهم. وقد استطاعت الجمعية بفضل تضافر كل الشركاء تحقيق قرابة 90 في المائة من الأهداف المسطرة.

 بدوار اكادير اسرغين التابع لنفس الجماعة، زار الوفد الإعلامي مشروعا تشرف عليه جمعية الفتح للتنمية والتعاون، يرمي إلى تثمين المنتوجات المجالية، ويشكل مصدرا هاما لدخل 18 فتاة، سبق أن استفدن من مرحلة تكوينية في مجالات إعداد الكسكس التقليدي، وصناعة المنتوجات اليدوية، وتنقية وترقيد وتعليب “الكَبَّار”. وجاء هذا المشروع بناء على تشخيص دقيق أنجز سنة 2009، لتحديد حاجيات المنطقة، وقد تمكنت الفتيات المستفيدات من هذه المبادرة التي تم تنفيذها بدعم من برنامج واحات الجنوب والمجلس  الجماعي القروي، من تحقيق موارد مالية ساعدتهن على مواجهة تكاليف الحياة لهن ولأسرهن، وحسب تصريح لرئيسة التعاونية،  فإن الهدف الموالي يرمي إلى الرفع من عدد المستفيدات من هذا المشروع وعلى العمل على تسويق المنتجات.

الجولة الميدانية للوفد الإعلامي المشارك في القافلة قادته إلى دوار تاوريرت بمدينة طاطا، حيث زار وحدة عصرية لتثمين التمور، تشرف عليها تعاونية افرا الفلاحية، يستفيد من خدماتها 150 فلاحا، وهي الوحدة التي تم تشييدها وتجهيزها سنة 2011، بدعم من  برنامج واحات الجنوب، وقد حصلت على ترخيص  الجودة الصحية التي تمنح للمؤسسات والمقاولات العاملة في القطاع الغذائي، من طرف المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية. وتعالج هذه الوحدة حاليا،والتي توفر عددا من فرص الشغل لفائدة مجموعة من فتيات المنطقة، أزيد من 50 طنا من التمور سنويا، بينما كان الانتاج لا يتجاوز مع انطلاقة المشروع قبل أربع سنوات العشرة أطنان.

بدوار اكادير لهنا، بمحيط مدينة طاطا، زار الوفد الإعلامي مشروعا يهتم بتنظيم الحفلات وفق الخصوصيات المحلية، تشرف عليه منذ سنة 2010، جمعية التضامن النسوية لتنمية المرأة والفتاة، وتستفيد منه 30 امرأة، ينتجن مختلف المأكولات الشعبية، اعتمادا على المنتوجات الفلاحية المحلية.

وأوضحت رئيسة التعاونية في عرضها للمشروع أمام أعضاء القافلة الإعلامية، أن التكوين والدعم والتتبع ساهموا بشكل مباشر في تحقيق نسبة مهمة من أهداف التعاونية، وأكسبت الممارسة الميدانية الخبرة المطلوبة للمتعاونات، مما أتاح لهن الإبداع في مجال الطبخ الشعبي المحلي، والقدرة على تنظيم حفلات بشكل مميز، الشئ الذي أصبحت معه التعاونية مؤهلة، خبرة وإمكانيات، لتأمين حفلات من مختلف المستويات وقادرة على توفير الخدمات المطلوبة لألف مدعو دفعة واحدة .

ووقف الوفد الإعلامي خلال هذه الزيارة على مشاريع أخرى، همت بالأساس عملية تثمين زيت الأركان، التي تشرف عليها تعاونية دودرار بمدينة طاطا، وتثمين التمور للتعاونية الفلاحية تسكالة بدوار القصبة التابع لجماعة أقا، ومأوى سياحي بدوار الرحالة بجماعة القصبة بسيدي عبد الله بن امبارك، ونقطة بيع المنتوجات اليدوية النسوية، ومنح قروض  صغيرة لفائدة النساء في وضعية صعبة بدوار العكاية ببلدية أقا.

إن الزائر لهذه الربوع من المغرب المصنف بغير النافع، لا يتوانى في الانحاء إجلالا وإكبارا لعزيمة وإرادة، وقوة شكيمة ساكنة هذه المنطقة، خاصة نساءها العصاميات، اللواتي لم ينتظرن الاستفادة من اقتصاد الريع فشمرن عن سواعد الجد لجني الأرباح من عرق الجبين، ولم تنل منهن الحملات الدعائية للمناصفة، التي حاكت عباراتها نظيراتهن بالمركز، في مكاتب مكيفة  ومجهزة بأحدث وسائل الاتصال والتهوية، وحررت على أرائك صنعت من أثمن الجلود واقتنيت بأغلى الأسعار، أثثت بها فضاءات تتوفر فيها كل مظاهر البدخ والحياة المترفة، ولم يأبهن بالبرامج والمخططات التي وضعتها وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، أكثر من اهتمامهن بتوفير دخل يحسن من أوضاعهن الاجتماعية اعتمادا على ما يبدلنه من جهد، لمساعدة أسرهن على مواجهة شظف العيش في ظروف مناخية قاسية، فنحتن الصخر والجلمود بأظافرهن، وتكتلن في تعاونيات منتجة تثمن ما يتوفر في بيئتهن، وما تجود به أرضهن التي يتمسكن بها، بالقدر الذي يتمسكن فيه بفلذات أكبادهن، و يصررن على توفير الأجواء الملائمة ولو  في حدها الأدنى من الإمكانيات، ليكمل أبنائهن دراستهم، ويحققوا لهن ولأنفسهم ما يصبون إليه، إنهن حرائر الصحراء اللواتي انخرطن في العمل الجاد والمنتج، مستغلات ما وفره برنامج وحات الجنوب، فأعطين النموذج الحي للمراة المغربية الصبورة، المنتجة والمعطاءة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات