اتفاق لوزان لحظة بلحظة

0 950

تقرير حول اتفاق لوزان بين إيران والدول الكبرى لحظة بلحظة منذ 1979
توصلت إيران والقوى الكبرى الخميس 02 أبريل في لوزان إلى اتفاق إطار لحل أزمة برنامجها النووي، وهو الأمر الذي يشكل مرحلة أساسية على طريق اتفاق نهائي بحلول 30 يونيو المقبل. ويقضي الاتفاق الإطار هذا بقبول جميع الأطراف بخطوطه العامة. هذا ووافقت إيران على خفض عدد أجهزة الطرد المركزي المستخدمة لتخصيب اليورانيوم الذي يدخل في صناعة القنابل الذرية عند تخصيبه بنسبة 90%. وستحتفظ إيران ب 6 آلاف جهاز طرد مركزي من أصل 10 آلاف قيد التشغيل حاليا. وكانت الأسرة الدولية تريد في الأساس ألا تحتفظ إيران سوى ببضع مئات من هذه الأجهزة.
كما ينص الاتفاق المرحلي الذي تم توقيعه في سويسرا، بعد مفاوضات ماراثونية استمرت 18 شهرا في جنيف وفيينا ونيويورك ولوزان، على رفع العقوبات الأميركية والأوروبية بمجرد تحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن إيران تحترم التزاماتها.
ويمكن إعادة العمل بتلك العقوبات في حال عدم تطبيق الاتفاق. وسيتم رفع عقوبات الأمم المتحدة بمجرد احترام إيران لكل النقاط الأساسية في الاتفاق. ومن المقرر أيضا أن تبدأ على الفور صياغة الاتفاق النهائي بكل تفاصيله الفنية ولا سيما الجدول الزمني لرفع العقوبات، على أن يتم الانتهاء منها بحلول 30 يونيو. كما وافقت إيران على التوقف عن تخصيب اليورانيوم في موقع فوردو الذي يصعب تدميره بعمل عسكري بحكم موقعه تحت جبل. وسيسمح للموقع بتطوير برنامج نووي لغايات طبية.
وبين بان كي مون الذي اعتبر الاتفاق أنه خطوة نحو “السلام” في الشرق الأوسط وبين بنيامين نتانياهو الذي يخشى على بقاء إسرائيل، كان الرئيس الأميركي أول زعيم يعلق عليه بعد دقائق فقط على إعلان التوصل إلى اتفاق في لوزان. وتحدث أوباما، الذي سيترتب عليه مواجهة الجمهوريين المشككين في الاتفاق في الكونغرس، عن “تفاهم تاريخي” وأوصى بإرسال مستشاريه إلى الكونغرس للاطلاع. من جانب آخر أعرب الجمهوريون عن قلقهم إزاء الاتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه في لوزان بين الدول الكبرى وإيران حول برنامجها النووي، مؤكدين تمسكهم بحقهم في أن تكون لهم كلمة في أي اتفاق نهائي يتم التوصل إليه بهذا الشأن. ومن المقرر أن تصوت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ في 14 أبريل الجاري على اقتراح قانون قدمه سناتوران ويفرض على الرئيس باراك أوباما الرجوع إلى الكونغرس في أي اتفاق يتم التوصل إليه مع إيران حول برنامجها النووي.
وأكد الرئيس الأميركي باراك أوباما، أن “الاتفاق المبرم تاريخي بكل المقاييس ولبى الأهداف المرجوة، لكن إذا تم انتهاكه في يونيو من قبل إيران فإن العقوبات ستطبق من جديد”. كما أردف أن “الأمر لا يتعلق باتفاق ثقة، بل أن إيران ستخضع لتفتيش ذي مستوى عال”. مضيفا إن “إيران ستكون البلد الذي سيخضع أكثر من أي وقت مضى للتفتيش”.
أوباما أشار كذلك إلى أنه سيُبْلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بفحوى الاتفاق الذي تم التوصل إليه في لوزان. فقد كان نتانياهو من أكبر المنتقدين للاتفاق المبرم وللمسارات التي مر بها في لوزان. وأضاف قائلا: “لقد توصلنا إلى اتفاق تاريخي مع إيران، وإذا تم تنفيذه برمته فإن ذلك من شأنه أن يمنع إيران من اكتساب سلاح نووي. وباعتباري رئيسا، فإن مسؤوليتي الكبرى، هي ضمان الأمن للأميركيين، وأنا متأكد إذا تمت ترجمة هذا الاتفاق الإطار إلى اتفاق شامل، فذلك سيجعل بلدنا وحلفاءنا والعالم بأسره في مأمن”.
ويرى بعض المتتبعين أن قرارات هذا الاتفاق تبدو حاسمة بشأن الملف النووي الإيراني. وجدير بالذكر أن نهاية اليوم الأخير من المحادثات عرف تحركات مكوكية.
ويقول بعض الإعلاميين أن الأمر يتعلق بإعلان وليس باتفاق نهائي. والإعلان من شأنه أن يعرج على التقدم الذي أحرز بشأن المفاوضات التي جرت في فندق بوريفاج، قبل التوصل إلى اتفاق نهائي بحلول نهاية يونيو المقبل.
وكانت الشكوك تحوم حول ما ستسفر عنه المحادثات ونتائجها، فكل طرف كان يتحدث عن إحراز تقدم دون ذكر تفاصيل عما جرى خلال الليلة الليلاء.
و قال لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي: “المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني باتت على مسافة بضعة أمتار من النهاية ولكن الوصول إلى الأمتار الأخيرة، هو الأصعب”.
ولم يدل نظيره الأمريكي جون كيري خلال الساعات الأخيرة من المفاوضات بأي تعليق، في حين كان وزير خارجية إيران يتوجه إلى الصحافة ب “كي اوشي” ويدلي ببعض الأخبار: “من المتوقع أن يتم التوصل إلى الصيغة النهائية للاتفاق في 30 يونيو، لو عملنا بمثابرة، وما نحتاجه اليوم هو إصدار بيان بشأن اتفاقنا جميعا حول السبل الكفيلة لحل المشاكل”.
وأثناء المفاوضات، كانت الأنظار تتوجه إلى أروقة الفندق حيث تجري المحادثات، لاقتناص أي خبر، حول الاتفاق، مهما كان شكله اتفاق إطار أو شاملا أو تسوية. وفي الحادي والعشرين من مارس الماضي وبالمتحف الأوروبي، كان جون كيري يجوب الأمكنة، ويصول بين جنبات الحدائق الغناء. أما الصحفيون فكانوا يغالبون تعبهم بالصبر، وكان الروس يقاومون الوقت بلعب الشطرنج، وأصاب الإيرانيين شيء من الذهول بعد وابل الأمطار الغزيرة التي تهاطلت فوق رؤوسهم. وارتدى وزير الخارجية الصيني ملابس رياضية، في حين بدا نظيره الأميركي مرتاحا بأخذه صورا عبر هاتفه المحمول. هذا وكان الوفد الإيراني يجوب الشوارع للتنزه وأخذ قسط من الراحة، في أحياء “أوشي”. يبدو أن الزمن يسابق الزمن و أن ساعات اليوم أصبحت طويلة على غير المعتاد. وكان الكل في حالة ترقب و انتظار.
وبعد الإعلان عن التوصل إلى الاتفاق الإطار غصت شوارع طهران بالمارة وغبطة عارمة تعلو محياهم، وكأنه انتصار حرب. وكيف لا وهم الذين انتظروا هذه اللحظة منذ عقود، لحظة جلوس بلادهم إلى طاولة مفاوضات جادة، وهو ما جعلهم يستقبلون محمد جواد ظريف بالأحضان، ويخصصون له استقبال الأبطال بعد عودته من لوزان.
وحتى لا ننسى؛ فإن قصة أول مفاعل نووي إيراني، لم تأت من العدم، فقد ساندت أوروبا وأميركا إنشاءه في وقت سابق. وذلك عندما كان الشاه في السلطة، حيث يعود بنا التاريخ إلى خمسينيات القرن الماضي، فالرئيس الأميركي إيزنهاور قام بالترويج لبرنامج نووي من أجل السلام. لكن السلام ما بين الغرب وإيران، تحول بسرعة إلى علاقة عداء بين الطرفين، وذلك منذ سنة 1979، حيث اندلعت الثورة الإسلامية بهجوم على السفارة الأميركية في طهران، واحتجاز رهائن. في تلك الأثناء سقط نظام الشاه، وعمل النظام الجديد على تسريع البرنامج النووي لكن دون الحلفاء التاريخيين، الذين كانت قد انقطعت كل سبل الاتصال بهم. فبدأت إيران تتلقى مساعدات من روسيا لاستكمال إنجاز أول محطة نووية. وفي العام 2002، تمت إماطة اللثام عن محطتين سريتين أخريين في إيران، تم الكشف عنهما من طرف جماعة من المعارضة الإيرانية. أما الدول الغربية فكانت تخشى فعلا من أن تحصل إيران على القنبلة النووية. أما طهران فكانت تصر دوما على أن نواياها سلمية. وهو الأمر الذي عجز مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية على دحضه، رغم ذلك ظلت واشنطن تصر على أن إيران تمثل محورا من محاور الشر.
وفي 2005، صرح الرئيس الإيراني الجديد محمود أحمدي نجاد بنبرة استفزازية أن الحصول على الطاقة النووية يعتبر حقا من الحقوق. في تلك الأثناء كانت تصريحاته، مثار جدل كبير في العالم. وفي مناسبات عدة، أعلنت إيران إنشاء وتركيب المئات من أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم، وهو الأمر الذي دفع الدول الغربية إلى تطبيق العقوبات. وانطلقت الموجة الأولى من هذه العقوبات في 2006. وما تلاها من الأعوام، عرفت العقوبات امتدادا بأكثر قسوة. لكن منذ وصول رئيسين جديدين إلى السلطة في كل من الولايات المتحدة وإيران، بدت العلاقات تعرف بعض انفراجات، وذلك بفضل تسلم أوباما رئاسة أميركا و بعده روحاني بسنين قليلة، باعتباره رئيسا لإيران. واعتبرت مكالمة تاريخية تلك التي أجريت في سبتمبر من العام 2013، بين باراك أوباما وحسن روحاني. وتنبأ لها جل المتتبعين ل”الصراع الأمريكي-الإيراني أن تكون بداية لنهاية 30 عاما من القطيعة خصوصا أن باراك أوباما أعلن حينها أنه مستعد للتطبيع مع إيران حتى وإن لم توافق إسرائيل. سلسلة جديدة إذن من المفاوضات انطلقت بين إيران والدول الكبرى في جنيف، وفيينا ومونترو، وكانت الأخيرة والأكثر أهمية تلك التي جرت في لوزان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات