فاتح ماي: “العامل لا يحتاج عيدا بل عدلا”

بقلم: ذ. المحامي محمد كفيل (الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة)

0 108
أيها المنافقون
العامل لا يحتاج عيدا بل عدلا
بقلم الاستاذ كفيل الامين العام لحزب النهضة والفضيلة
مررتُ هذا الأسبوع بإحدى المنصات التي يُفترض أن يُرفع فوقها غدًا خطاب الدفاع عن حقوق العمال. غير أن المفارقة الصادمة لم تكن في الكلمات التي ستُقال، بل في المشهد الصامت الذي سبقها: عمال يشتغلون في إعداد المنصة دون خوذات، دون وسائل حماية، ودون أدنى شروط السلامة. هنا، قبل أن يبدأ الاحتفال، انكشف جوهر الحقيقة.
كيف يمكن لمنصة يُفترض أنها رمز لكرامة العامل أن تُبنى على حساب سلامته؟ وكيف يمكن لنقابة تُنظّر للحقوق أن تقبل، أو تغض الطرف، عن هذا التناقض الفج؟ إن السؤال لا يتعلق بحادثة معزولة، بل بصورة متكررة تختزل واقعًا أعمق: انفصال الخطاب عن الممارسة، والشعار عن الحقيقة.
لقد أصبحنا أمام مشهد عبثي؛ عامل يُخاطر بصحته ليُشيّد منصة سيُلقى فوقها خطاب عن حقوقه، في حين يُشاهد قادة العمل النقابي في فضاءات مريحة، داخل فنادق مصنفة ومطاعم فاخرة، يتبادلون الخطب نفسها كل سنة، دون أن يتغير شيء في حياة هذا العامل. أليس هذا شكلاً من أشكال النفاق الممنهج؟
إن العامل اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، ولا إلى أعياد تُذكّره بمعاناته بقدر ما تُجمّلها. العامل يحتاج أولًا إلى الكرامة: كرامة العمل الآمن، كرامة الأجر العادل، وكرامة الاستقرار الاجتماعي. لا يعقل أن يشتغل عامل بأجر لا يتجاوز أربعة آلاف درهم، بينما يجد نفسه مجبرًا على دفع ما يقارب نصفه لتعليم أبنائه في مدارس خاصة، بسبب تراجع جودة المدرسة العمومية. ولا يعقل كذلك أن يعيش تحت تهديد فقدان مسكنه في ظل سياسات الهدم، دون بدائل تحفظ له إنسانيته.
إن إعادة الاعتبار للعامل لا يمكن أن تتم بخطاب موسمي، بل بإصلاح بنيوي حقيقي: سياسات عمومية تُعيد التوازن بين الأجر وتكاليف العيش، تعليم عمومي يضمن تكافؤ الفرص، وسكن يحفظ الكرامة بدل أن يهددها. كما أن العمل النقابي في حاجة إلى مراجعة عميقة تعيده إلى جوهره: الدفاع الصادق عن العامل، لا التعايش مع وضعه أو استثماره.
في عيد العمال، قد ترتفع الأصوات وتُلقى الكلمات، لكن العامل البسيط لا ينتظر خطابًا جديدًا، بل ينتظر واقعًا جديدًا. واقعًا لا يكون فيه مجرد وسيلة، بل غاية… ولا مجرد رقم، بل إنسان.
بقلم: ذ. كفيل محمد
الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات