“الريان المغربية” – تحاول جاهدة بعض المنابر الإعلامية المقربة من الحكومة (ومعها بعض الصفحات الفيسبوكية التي يقتات أصحابها مما يلتقطونه من فتات يرمى لهم على الأرض كباقي الكائنات المروضة) تحويل أنظار الشارع المغربي عن المطالب الحقيقية للحراك الأستاذي ليسوقوه على هواهم ويجعلونه استكمالا للنكت التي كانت تحكى لتحط من كرامة ووضعية المعلم مصورة إياه كبخيل أو كفقير لا يجد ما يسد به رمقه أو كمحتال لا يرد أن يؤدي ما عليه من مهام أو ديون.
إلا أن نضالات الشغيلة التعليمية ضربت كل هذه المحاولات اليائسة في الصفر وقلبت السحر على الساحر. فبعد الإضرابات التي دامت وتدوم منذ أكثر من شهرين والتي تشل المؤسسات التعليمية في غياب تام لأي محاولة جادة لحل المشكل؛ اللهم اجتماعات حوارية بين ممثلي الحكومة وأربعة نقابات لم تأت بجديد يذكر سوى تحديد تواريخ لاجتماعات أخرى في مسلسل اعتبره الأساتذة مضيعة للوقت ومأسسة لهدر الزمن المدرسي الذي لا طال ما تغنت به وزارة التعليم من قبل.

كما استغرب المضربون دعوة النقابات هاته للحوار مع أنها لم تَدْعُ للإضراب كما سبق لها أن وقعت على النظام الأساسي المرفوض جملة وتفصيلا من قبل أسرة التعليم. بل أكثر من هذا كله فقد خرج ممثلو بعضها للدفاع عنه مطالبين بالرجوع إلى العمل.
وإليكم تحليل استقيته من تعليق لأحد الإخوة: “المادتان الأولى والثانية من النسخة الأصلية للنظام الأساسي المتفق عليه بين وزارة التربية الوطنية والقيادات النقابية الأربع، التي ادعى الممثلون النقابيون أنها إدماج للمفروض عليهم التعاقد، وترافع عنها إعلاميا يونس فيراشين الكاتب العام الوطني للنقابة الوطنية للتعليم للكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT) وعبد الصادق الرغيوي الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم (FDT)، بل أوهموا جزءا من قاعدة شغيلة التعاقد المفروض بذلك. وهذا تماهي صريح وتطبيع مع هذا النمط من التوظيف عبر تقديم العون للوزارة بالتحايل على الإدماج الفعلي الذي يعني إحداث المناصب المالية من طرف وزارة المالية بموجب قانون الوظيفة العمومية مع وزارة التربية الوطنية كطرف يوظف بشكل رئيسي وليس بوساطة الأكاديميات. بعد صمتهم أمام اعتراف الحكومة أن تعديل القانونين 07/00 و69/00 جاء بعد الاتفاق مع الشركاء الاجتماعيين – النقابات الأربع – لإتاحة الإمكانية بصرف الأجور مركزيا عبر الخزينة العامة كتجسيد للاتفاقية الصادرة مؤخرا بين وزارة التربية الوطنية ومديرية المؤسسات العمومية والخصوصية والخزينة العامة للمملكة، فعن أي إدماج يتحدث هؤلاء؟

يونس فيراشين

عبد الصادق الرغيوي
الإدماج الذي روجت له القيادات النقابية هو صيغة تم اقتراحها من طرف الوزارة على لجنة الحوار لتنسيقية التعاقد المفروض في نونبر 2019 عبر هدم نظام 2003 والمشاركة في بناء نظام أساسي جديد يتضمن هذا الحل، وقد رفضته قاعدة المفروض عليهم التعاقد آنذاك، فما الذي تغير بين 2019 و2023؟
لم يتغير سوى توجه القيادات النقابية التي أتيحت لها الإمكانية للانخراط في تنزيل ما تسميه الدولة إصلاحا مقابل مأسسة الحوار الاجتماعي بعد اتفاق أبريل المركزي عبر إشراك قادة النقابات في حوارات منتظمة “مركزيا وقطاعيا” لامتصاص الصدمات الاجتماعية وذلك بالالتفاف على المطالب والتحايل عليها بتقديم المبررات لإقناع المعنيين باللاجدوى من النضال وأن الحلول منفذها هو الحوار لخلق بيئة اجتماعية لطيفة تحتوي الصراع لصالح الدولة لكي تمرر هجماتها التي تأخرت في تنزيلها”.
هذا وحده كافيا ليعري ما تربو إليه حكومة أخنوش من وراء هذا النظام الأساسي الجديد ليتجلى بالواضح/الفاضح أن مطالب أسرة التعليم لا تتلخص في زيادة الدراهيم، بل في إعادة الكرامة لمهنة هي من أنبل المهن وهي الأساس الذي لا يمكن من دونه بناء أي مجتمع بناء صلبا وقويما.
وكل الوقفات والمسيرات الجهوية والوطنية تعرف رفع شعارات قوية مثل: “كرامة، حرية عدالة اجتماعية” وتطالب ب “إسقاط النظام الأساسي” الذي يحوي في طياته بنودا أضافت مهام جديدة للمدرسين الذين يعانون أصلا من كثرة المهام والمسؤوليات. كما تضمن هذا القانون المرفوض عقوبات جديدة للأستاذات والأساتذة أضيفت لإلزامهن/هم بالقيام بتلك المهام كحراسة بعض المباريات الخارجية و/أو التي تكون في أيام العطل الأسبوعية (كمباراة المفروض عليهم التعاقد والتي كانت مبرمجة يوم الأحد 27 نونبر 2022 والتي رفضوا حراستها لتلتجئ الوزارة إلى استدعاء المديرين وبعض موظفي وزارات أخرى للقيام بهاته المهمة وتعويضهم عن ذلك بمئات الدراهم).
ويلخص مسؤولو التنسيقيات الملف المطلبي في:
- إسقاط النظام الأساسي الجديد،
- إدماج المفروض عليه التعاقد في إطار الوظيفة العمومية بمناصب مالية مركزية بوزارة المالية،
- تسوية جميع الملفات الفئوية أو ذات الطابع الخاص،
- زيادة مهمة في الأجر لا تقل عن %100،
- إعطاء تسمية أستاذ(ة) القيمة والمكانة التي تليق بها.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن البرنامج الاحتجاجي استمر طيلة العطلة البينية الثانية تخللته مسيرات الأقطاب التي أعطت درسا في الوطنية ونكران الذات حيث سافر آلاف الأستاذات والأساتذة قاطعين مئات الكيلومترات للالتحاق بالتجمعات الأستاذية رغم الاقتطاعات الكبيرة التي طالت أجورهم الضعيفة أصلا ورغم الظروف العائلية لبعضهم ورغم الظروف المناخية التي اتسمت بتساقطات مطرية مهمة في بعض المدن.
وأنا أكتب هذا المقال التحليلي البسيط والمتواضع، تسربت بعض الأخبار تشير إلى عزم التنسيقيات على الإعلان عن إضراب جديد الأسبوع المقبل لأربعة أيام ابتداء من يوم الأربعاء 13 دجنبر 2023 وهو ما ينبئ بانتهاء الدورة الأولى دون امتحانات محلية ولا معدلات دورية.
بقلم: الأستاذ رضوان باري
