“سيدي قاسم بين ماضي مشرق وحاضر مظلم”

بقلم: ذ. رضوان باري

0 1٬578

“الريان المغربية” – “سيدي قاسم فيها غا الدخلة” كان هذا التوصيف يطلق على المدينة لانتقاد حالها العمراني، إلا أنه – وللأسف الشديد – أصبحت هذه الصفة تطلق على جميع مجالاتها ومرافقها.

صدق من قال بأن كل شيء تغير بسيدي قاسم، أغلقت المعامل وضاعت فرص الشغل (الشركة الشريفة للبترول، كومابرا، بشكيطو، لاسكام، المطاحن، معامل التلفيف…) وأخرى في طريقها لنفس المصير (معمل الآجور). حتى دور السينما لم تسلم من مخالب الدمار والتدمير، فلم يعد للسينيفيليين القاسميين قاعة ليعيشوا الحياة على الشاشة الفضية طبقا للمثل الفرنسي «Qui aime la vie va au cinéma» لم يتبق من “وليلي” و”الريف” سوى الأطلال، و”فوكس” تحولت إلى مباني سكنية. لم يتبق من السينما بمدينتي سوى مهرجانا سنويا يناضل منظموه ليبقى ويستمر رغم قلة الدعم.

لم نعد نسمع بدوريات كرة القدم كتلك التي كانت على طول السنة تنظم من طرف أسماء معروفة في المجال كولد المدينية وكشيكش على سبيل المثال لا الحصر. فأصبحت الدوريات مناسباتية. وأصبح لعب كرة القدم نشاطا رياضيا بالمقابل بسبب “خوصصة” ملاعب القرب التي لا يمكن الولوج إلى أغلبها إلا بعد أداء الثمن لمن “يسيرها”. كما أن غالبية الجمعيات التي تدعي أن لها مدارس لممارسة هذه الرياضة تطالب منخرطيها بأداء مبالغ كبيرة كواجبات شهرية وثمن الألبسة والتأمين والسفر رغم أن القانون المنظم لمثل هذه التنظيمات يمنع عليها استخلاص أي مبلغ مالي باستثناء واجب الانخراط الذي يجب أن يكون رمزيا ومناسبا للنشاط المزاول من طرف الجمعية.

للأسف الشديد لم يتبق من مدينتي سوى الاسم؛ هذا الاسم الذي ارتبط سابقا بأمجاد وطنية وعربية: فهنا كانت ولادة المرحوم العقيد عبد القادر العلام في 20 شتنبر 1926، وهو بطل حرب أكتوبر 1973 والتي استشهد فيها لينحت اسم عاصمة اشراردة في صخور التاريخ ويدون أعظم رواية واقعية في مجلدات الحروب كواحد من أعظم الشخصيات البطلة. لكن، وللأسف الشديد، لم تعط له أحقيته في التكريم والإشادة باستثناء تسمية ملعب كرة القدم (الملعب البلدي سابقا) باسمه. هذا الملعب الذي جاور فيه فريق الاتحاد الرياضي القاسمي كلاعب وكمدرب. لم يحظ بالذكر إلا في قليل المناسبات الكثيرة أصلا والتي تستنزف ميزانيات ضخمة تصرف بسخاء على مهرجانات صورية ومناسباتية سميت تجاوزا بمهرجانات ثقافية تدوم ثلاثة أيام أو أربعة على أكبر تقدير في حين تبقى المدينة في سبات عميق وركود ثقافي وفني طيلة أيام السنة. أتذكر جيدا كيف كانت دار الشباب تعج بنا ونحن صغارا ومراهقين نتنافس على تقديم أفضل العروض المسرحية وتنظيم أكبر الندوات الثقافية والعلمية حيث كنا نتسابق على القاعة الكبرى لهذه المؤسسة التي كانت تبقى محجوزة لمدد طويلة لفائدة أندية وجمعيات الدار تقدم فيها أنشطة جماهيرية متعددة ومتنوعة. ومن يزور هذه المؤسسة اليوم يجدها خاوية على عروشها لا يستفيد منها شباب المدينة باستثناء جمعية الهلال الأحمر التي يديرها السيد حسان الجوهري وهو أحد الجمعويين القلائل الذين تحركهم غيرتهم على المدينة وعلى شبابها.

كان من الأجدر والمناسب لتكريم هذا القائد العسكري الكبير هو تشييد جامعة وإطلاق اسمه عليها لتشجيع شباب المنطقة على الدراسة والتحصيل العلمي من جهة وزرع حب الوطن وترسيخ مبدأ الوطنية في عقول شبابنا ليكونوا أحسن خلف لأحسن سلف من جهة ثانية. ونكون بذلك قد ساهمنا في تغيير “راداراتهم” الحسية التي أصبحت تتخذ من “نيبا” و”طالوني” أمثلة تقتدي بها. وعلى ذكر جامعة سيدي قاسم، فإن إحدى اليوميات الوطنية أشارت إلى أن خلافات داخل المجلس الجهوي هي سبب تأخر انطلاق هذا المشروع الذي أصبح نكتة يتقاذفها القاسميون فيما بينهم لتوصيف حالة هذه المدينة الكئيبة.

لكن، هذا لا يعني البتة أن تسمية الملعب البلدي (سابقا) باسم العقيد غير مناسب أو غير مجد؛ بل هي التفاتة أعتبرها شخصيا جيدة.

كما وجب التذكير أن تطرقي في هذا المقال لهذه الشخصية هو على سبيل المثال لا الحصر؛ فالشخصيات القاسمية التي تركت بصمة في مجال تألقها هي كثيرة ومتعددة.

وكخلاصة أولية لما يحدث بمدينة سيدي قاسم – أو بالأحرى ما لا يحدث، كون الزمن قد توقف هنا وعجلة التطور قد كُسِرَت وانقطعت عنها الطاقة المحركة – هي صراحة تعابير الوجوه الجاهمة التي تختزل معاناة الساكنة وتذمي قلوبها وكأن لسان حالها يقول ما ذنبنا لتسلَّط علينا هؤلاء التفهة؟ أهو قدرنا المحتوم؟ أم تكفير عن ذنوب لم نرتكبها؟

انطفأت شعلة TCC[1] (وهي تلك الشعلة التي كانت تخرج من فوهة مدخنة مصفاة الشركة الشريفة للبترول SCP لاساميرLa SAMIR لاحقا)، “انطفأت” معها المدينة كاملة. ولم يبق لهذه الحظيرة لا مدخل ولا مخرج. للأسف الشديد ذلك التوصيف “مدينة سيدي قاسم فيها غا الدخلة” لم يعد صالحا ولم يبق لمدينة البترول والحوامض، لا بترول ولا حوامض.

 

 

 

[1] T.C.C : Craquage du Catalyseur à haute Température

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات